إغلاق النافذة ضيفنا الكريم
حللت أهلاً .. ووطئت سهلاً ..
أهلاً بك بين اخوانك واخواتك بشمس كربلاء
آملين أن تلقى المتعة والفائدة معنا
.:: حيـاك الله ::.


المميزون خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز المشرفة المميزة
شمس العراقية تغطية : العلمائي: دعوة لنزول الرجال والنساء والشيوخ والأطفال تلبيةً لنداء كبار العلما
بقلم : تفاؤل و أمل
النور الحيدري قريبا

الملاحظات

الإهداءات
النور الحيدري من متباركين : : وَلدَتهُ في حَـرَمِ الإلـهِ وأمنِـهِ ـ والبيتِ حيثُ فِناؤُهُ والمسجدُ بَيضاءُ طاهرةُ الثيابِ كريمـةُ ـ طابت وطابَ وَليدُها والمَولدُ في ليلةٍ غابتْ نُحوسُ نُجومهـا ـ وبَدَت مع القمر المنيرِ الأسعُدُ ما لُفَّ في خِرق القوابِلِ مثلُـهُ ـ إلا ابـنُ آمِنَـةِ النَّبيُّ مُحمّـدُ متباركين با المولد البهلول الأول من السعودية : متياركين بالمولد ,, وكل عام و أنتم بخير النور الحيدري من متباركين : نبعث أحلى وأجمل التهانــــــــــــــــــي بمناسبة ذكرى وليد الكعبـــــــــــــــــــة لمقامات أهل البيت عليهم الســــــــــــــلام لاسيما سيدنا ومولانا الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف وإلى جميع المراجع والعلماء العظام وإلى الأمة الأسلامية جمعاء راجين من العلي القدير أن يتم علينا نعمة الولاية لأهل البيت عليهم السلام مبروك علينا وعليكم المولد ميثاق الفياض من العراق : السلام عليك سيدتي ومولاتي ام الاقمار الاربعة



إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

  #1  
قديم 30-07-2009, 10:01 PM
الصورة الرمزية شيعية بحرانية
شيعية بحرانية شيعية بحرانية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: البحرين
المشاركات: 3,709
معدل تقييم المستوى: 1162
شيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond reputeشيعية بحرانية has a reputation beyond repute
افتراضي رساله الى كل فرد في الاسره

[frame="4 98"]


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذه رسالة إلى كل فرد من أفراد الأسرة ( الأب والأم والإبن والبنت )
أتمنى أن تنفعكم .


رسـالـة إلــى الأب المسـلم:

أيّها الأب العزيز : إنّ أيّ بناء لابدّ وأنْ يقوم على أرْكان ودعامات تشدّهُ وتحفظه عن السقوط ، ولذا يعتبر كلّ عضو من أعضاء الأسرة ركنا يشدّ على ركن آخر , منْ أجل تماسك البناء الأسري .
وأنت أيها الأب العزيز , تعتبر – حقا – الرّكن الأهم الذي يقوم عليه هذا البناء ، فمتى توفر عنصر القوّة في أبوّتك ، كان البناء قويّا وحصينا.
لأنّ الأبوّة هي الرّكن الذي يشكل حجر الزاوية للبناء الأسري.. ويتمثل عنصر القوّة في أبوّة كل أب في ما يلي :

1- معرفتك ما لك وما عليك:

أيّها الأب العزيز : عليك أنْ تعرف ما هو واجبُك وما هو حقك في الأسرة التي أنت جزءٌ منها ، لأنك إنْ عرفت واجبك وحقك ، وقيت الأسرة كلّ مشكلة .
لأنّ جزءاً كبيراً من مشاكل الأسرة , كغيرها من المشاكل الإجتماعية , تقوم – أساساً – على عاملين رئيسيين :

أ- على عدم معرفة كلّ عضو من أعضاء هذه المؤسّسة ما له وما عليه من الحقوق والواجبات من ناحية , فيحيف البعض على البعض , ويتجاهل البعض حق البعض .

ب- ومن ناحية أخرى : عدم فهم البعض نفسية البعض وطبيعة إدراكه وتفكيره وميوله , ليعطى كلّ فرد من التعامل ما يتناسب مع طبيعته ومستوى تفكيره .

2-معرفتك لمعنـى أبوّتك:

أيها الأب العزيز : إنك إذا عرفت معنى الأبوّة وشعرت بقيمتها ، فإنك ستكون عند مسؤوليتها...
إنّ الأبوّة الصالحة , هي رسالتك في الأمّة.. وكما أنّ الرّسالة منبع السجايا والخصال ، والمرجع الذي ترجع إليه مكوّنات البناء في الأمّة .
فإنّ الأبوّة تمثل منبعا من منابع الرّعاية والعناية وإفاضة الحنوّ والرّحمة على الأسرة , وترجع إليها مكوّنات البناء الأسري والإجتماعي
كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعليّ (عليه السلام ) : ( أنا وأنت أبوا هذه الأمة .. فعلى عاق والديه لعنة الله ).
فاستفد – أيها الأب – من أبوّة محمّد وعليّ ( صلوات الله عليهما ) لهذه الأمّة ، وما هما عليه منْ خلق الرّحمة ، وسعة الصّدر ، ولين الطبع ، فإنهما القدوة الحسنة لكل الآباء .
( لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ).

3- وعيك لمطامحك في ولـدك :

أيها الأب العزيز : إني ما أراك إلا وأنت تطمح أن يكون ولدك طيّباً , ووديعاً ، ووفياً , وصادقاً معك في القول والعمل .
وما أراك إلا وأنت تتمنّى أنْ يكون ولدُك مستفيداً من تجاربك وخبراتك في الحياة ، وأنْ يقبل نصيحتك .
وما أراك إلا وأنت تتمنى أن يكون ولدك متفانيا في طاعتك مخلصا لك في السر والعلانية .
وما أراك إلا وأنت تتمنى أن يكون ولدك مدركا أنّ غضبك عليه حبّ وليس انتقاماً ، وأنّ عقوبتك له حرص على تربيته .

أيها الأب العزيز : فما أكثر الأماني والمطامح في نفسك ، وكلها إيجابيّة مشروعة ، لكنها تتوقف على التزامك المنهج الصحيح للتربية والأسلوب الصحيح للتعامل مع ولدك ، حتى تحمله على برّك بما يؤدّيه لك من حق الالتزام والبرّ والاحسان والطاعة في أمور الدّين كما سنعرفه من خلال رسالة أخرى موجهة إليه .
فقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ): ( رحم الله والداً أعان ولده على برّه ).

أيها الأب العزيز : إنك دليل ولدك على ربّه ، ومعينه على طاعته فيك وفي نفسه , فما أشرفها من رسالة ألقيت إليك .
وعليك أن تفخر بتكريم الله عز وجل لك ، أن جعل طاعة ولدك له من طاعته لك ، فأنت على ذلك مثاب لأنك سبب للطاعة ، ومعاقب إن كنت سببا في المعصية .

أيها الأب العزيز: ولأجل إصلاح هذا الجزء الملتحم بك التحام الظل بالشمس , يدعوك الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام ) ، أن ترفع يديك إلى ربّك ، ليعينك على صلاح ولدك ، بأن تقول :
( اللهم واجعلهم أبْراراً أتقياء , بصراء سامعين مطيعين لك ، ولأوليائك محبّين مناصحين ، ولجميع أعْدائك معادين ومبغضين ) .

4 – قدرتك على تحديد الأخطاء :

أيها الأب العزيز : ما عليك إلا أن تأخذ من المربّي الأوّل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) منهجاً ثابتاً ، وأسلوباً ناجحاً للتربية ، تحدّد على ضوئه الأخطاء الشائعة بين جملة من الآباء .
ومن أجل معرفة تلك الأخطاء الشائعة التي لابدّ من وضعها موضع النهي والرّفض ، لنخلص أنا وإيّاك إلى المنهج والمفهوم الصحيح الذي يقع في طريق التربية , إستمع لما يأتي من النقاط :

1 - لا تثر الغيرة والإنفعال في نفس ولدك :

أيها الأب العزيز : إنّ عدم المساواة في التعامل مع الأولاد يؤدّي إلى الغيرة والإنفعال في نفوس بعضهم على بعض ، وبالتالي يتحوّل هذا الإنفعال إلى ثورة عدائية ضدّك أو ضدّ بقية الأولاد .
وأمامك حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا الصدد , وهو يوصي كلّ الآباء بقوله : ( إعدلوا بين أولادكم ، كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البرّ واللطف ).

2 - لا تشعر ولدك بالجفاء والقسوة

أيها الأب العزيز : حاول أن تتقرّب من ولدك بالقبلة أو بكلمة اللطف والإحترام ، فإنّ في ذلك إشعاراً له بكرامته وقدره عندك وعند الناس ، الأمر الذي يساهم في بناء شخصيته .
وانظر إلى معاملة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع ولديه الحسنين (عليهما السلام ) , فلقد كان يقربهما ويحملهما على ظهره , وقد جاءا يسعيان , فأخذ أحدهما فضمّه إلى إبطه , وأخذ الآخر فضمّه إلى إبطه الآخر , ثم قال: ( هذان ريحانتاي من الدنيا من أحبتي فليحبهما ) فمضافا إلى ما يؤكده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) من مكانة وموقع للحسنين (عليهما السلام ) في بيت الوحي , فهو يعلّم الآباء كيف ومن أيّ منطلق ينبغي أن يتعاملوا مع أبنائهم وفلذات أكبادهم .

أيها الأب العزيز : إنّ هناك من يعامل ولده بعقلية القسوة , كما سمعنا من بعض الآباء هذه المقولة : أنه إنما تربّى وصار أباً مربيّاً ، ووصل إلى ما وصل إليه من الإدراك والمكانة الإجتماعية والسيطرة على الوضع العائلي , إنما هو بعنف أبيه معه وقسوته عليه .
فنقول له : ما يدريك – أيّها الأب – لعلّ الذي وصلت إليه من العصبيّة والإنفعال والقسوة على ولدك وأهلك ، هو نتيجة ما كنت تعانيه من قسوة أبيك عليك ، وحصيلة ما كان يحدثه من الرّعب والتوتر في جوّ الأسرة , فأصبحت نسخة أخرى منطبعا بطباعه وأخلاقه , وسيصبح ولدك نسخة منك متصفا بطباعك ؟ .

3- لا تكن إزدواجيّا في أمْرك ونهيـك :

أيّها الأب العزيز : عليك أن تبتعد عن الإزدواجيّة فيما تقدّمه لولدك من أمر أو نهي , وأعني بالازدواجيّة : أن تأمر بشيء وتعمل خلافه ، أو تنهى عن شيء وأنت تزاوله .
فإنّ هذا يؤثر على أولادك سلباً ، لأنّ الولد ينظر إليك على أنك قدوة له في هذه الحياة ، فإذا ما رآك تمارس ما تنهاه عنه فستحدث عنده ردّة فعل عنيفة ، من نتائجها التمرّد وعدم الطاعة لك في الدّين والدّنيا .
فكيف يمكنك وأنت مدخن – مثلا – أن توصي ولدك بعدم التدخين ؟ وكيف تفرض عليه أن لا يصرف نقوده في لعب القمار ، إذا كنت أنت لاهيا مع زملائك في لعب القمار؟ .
فعليك أن لا تأمر بشيء إلا وأنت أوّل عامل به ، ولا تنهى عن شيء إلا وأنت أوّل من انتهى عنه .

4- لا تستصغر ولدك وتستعظم خطأه

أيها الأب العزيز : إنّ هناك من الآباء من يرون أولادهم صغاراً وإن بلغوا مبلغ الرّجال في التكليف والإدراك .
فإذا رأيت ولدك صغيرا ، نزعت ثقته بنفسه من ناحية ، ومن ناحية أخرى قد يجعلك هذا التصوّر، تهتم بوصاياك لولدك أن ينتبه لنفسه من أيّ خطر من الأخطار ولا توصيه بأداء الصلاة وغيرها من الواجبات وتحذره من خطر تركها ، لأنك تراه صغيرا رغم بلوغه سنّ التكليف .
ومن ناحية أخرى ، قد تستكبر خطأه ، وكأن الخطأ الذي يرتكبه الإبْنُ جريمة لا تغتفر ، ولا يُمكن إصلاحُها ، في الوقت الذي قد لا يكون لهذا الخطأ أثرٌ إجتماعي ولا ديني ولا أخلاقي ، سوى أنه لا يتلاءم مع مزاجك .
وإليك ما قاله الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) في هذا الصدد : (إذا عاتبت ولدك – الحَدث – فاترك موضعاً من ذنبه لئلا يحمله الإحراج على المكابرة ).

5- لا تتجاهل آراء ولدك ورغباته المشروعة :
أيها الأب العزيز: إعلم أن بعض الآباء يفرضون على الأولاد آراءهم , ويتجاهلون وجهات نظرهم في الحياة ، ويسحقون رغباتهم سواء في نوع المهنة والعمل الذي يبني عليه الولد مستقبله ، أو نوع العلاقة والزمالة التي يختارها دون إعطاء أيّ مبرّر إجتماعي أو ديني أو أخلاقي أو سياسي مشروع للمنع ، بحجّة : أن الولد لا يعرف صالحه 0
بل حتى في الزوجة التي يختارها الولد شريكة لحياته دونما سبب من تلك الأسباب ، سوى أن هناك فرضاً وعادة بيئية أو أسرية ، تغلق أمام الولد باب الإختيار ، وتمنعه عن الزواج بغير إبنة عمّه أو خاله ، وبالتالي تتولد الخصومات وحوادث الطلاق والإنحراف ، بسبب إجباره أو إجبار البنت على أمر ليس مرغوباً لهما 0
فانظر – أيها الأب – إلى ما جاء عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام ) في رواية أبي يعفور ، قال : قلت له : إني أريد أن أتزوّج امرأة , وإنّ أبويّ أرادا غيرها ، قال (عليه السلام ) : ( تزوّج التي هويت ودع التي يهوى أبواك )

6- لا تمكن ولدك من تناول الحرام :

أيها الأب العزيز : اعلم أنّ لطعامك وشرابك تأثيرا على واقع نفسك ونفوس أولادك , وإنّ نفس الصغير أرضية خصبة لتلقي هذا التأثير سلبا أو إيجابا , فاحفظ فطرة ولدك من التلوث , فإنّ فطرة الولد كالبيت المزوّق ، فإذا عرض لها الحرام عتمت وإدلهمت ، وأطفئ من إشراقها ، فإذا تراكم الحرام عليها إحتجبت عن الله عز وجل .
لذا أكد أمير المؤمنين (عليه السلام ) على الوقاية على الأولاد من لبن البغية , فقال : ( توقوا على أولادكم لبن البغي من النساء والمجنونة , فإن اللبن يعدي).
فما بالك – إذن – ما لو أكل من يديك حراما مباشرا ؟ فإياك أن يشتدّ عظم ولدك وينبت لحمه على الحرام فتبوء بإثمك وإثمه .
فماذا سيكون موقف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الذين يجرّؤون أبناءهم على تناول الحرام ، كالرّبا ، والغش ، والغصب ، وبخس الكيل والوزن ؟ , وماذا سيكون موقفه من الذين يصطحبون أبناءهم إلى حانات الخمر؟ .

أيها الأب العزيز : هناك قصّة مثيرة لإحساس كلّ مؤمن ، أذكرها لك بالمضمون , وقد ذكرها أحد الفضلاء :
قال كنت واقفا مع مجموعة من الناس بانتظار حافلة نقل الركاب ، وكان في ساعة متأخرة من الليل ، فوجئنا بشخص ذي قيافة ، يصطحب صبيّا حدثاً , لاحظنا الصبي يتمايل ، وأخذ يتقيأ إلى ناحية بالقرب منا , قلت له : ما حال ولدك ؟ فلعله مريض ، فعجل به إلى مصحّة طبية .
قال – وهو يبتسم –: لا ، إنه ليس مريضاً ، حالة طارئة ، كنت قد اصطحبته إلى جلسة خاصّة مع أصدقائي , فاحتسى معنا مشروبا روحيّا ! . إنه يقول : لا ليس مريضا , فقل لي بربّك وبضميرك : أيّ مرض أعظم وأخطر من هذا المرض ؟ .
فأيّ داء أعضل وأنكى من هذا الداء ؟ وهو أن يتربى الولد في أحضان الضياع , ويتغذى بالحرام , ويبقى إلى الأبد يحمل لمن أوقعه بذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ؟! .

7- لا تخلط بين المفاهيم في التعامل مع ولدك

أيها الأب العزيز : هناك من يحسب القسوة حزما ، والتجسس على الولد مراقبة ، فيلتزم القسوة والشدّة تجاه الأولاد ، ويعاملهم بالضرب ، وعندما تسأله عن جدوى هذا الأسلوب ، فإنه يجيبك قائلا : كي لا يفلت الزمام .
أقول : نعم أيها الأب ، أنا معك فيما تقول ، ولكن لسنا معك فيما تفعل ، فإن الضبط وتشديد القبضة على زمام الولد عن التسيّب والإنحراف أمر معقول ، ولكن عليك أن تميّز بين فعلين ، أحدهما القسوة والآخر الحزم .

أيها الأب العزيز : إعلم أنّ مفهوم الحزم , هو التبصّر والوعي واليقظة تجاه الظروف والأحوال المحيطة , والتصرّف على ضوئها تحرّيا للمصلحة .
فالأب الحازم متبصر في حالة الإبن أو البنت ، وفي الظروف المحيطة بهما ، فيعرف متى يكون حازما ومتى يلين ، فلا يتحرّك إلا في حدود معلومة , فلذلك يستهدف الأب الحازم , المصلحة لولده بتعقل وحكمة تساعده على إصلاح أمره بنفسه .
أما الأب القاسي ، فانه يتحرّك تحرّكا أعمى بلا حدود ، وبلا بصيرة , ولا دراسة لدرجة استحقاق الموقف الذي يتخذه تجاه الولد ، نتيجة الإنفعال والغضب الذي يهدف إلى سلب إرادة الولد وقدرته على إصلاح نفسه .
فأما مفهوم التجسس , هو الجلوس للولد خلسة لإستراق المعلومات ، فإذا حدث أن يفاجأ الولد بأبيه , وهو يبحث في كتبه وشؤونه الخاصّة به ، ماذا ستكون ردّة الفعل في نفسه ؟ .
إذ من حق الولد أن يحتفظ لنفسه بأشياء خاصّة ، لا يرغب أن يطلع عليها أحد حتى الأب .
بينما هناك الرقابة , وهي المتابعة عن بعد ، لحركة الولد ونشاطه ، ومحاولة السّؤال عن الأماكن التي يرتادها ، والأصدقاء الذين يزاملهم ، وإن أردت شيئا من قضاياه فاستأذن منه , لكي يستأذنك فيما يريد عمله أو تناوله من ممتلكاتك , ولكي لا تشعره بالتجسس عليه واتهامه ، ما لم يتبين لك ما يسوؤك .

8 - لا تسيء العشرة الزوجية :

أيها الأب العزيز : إذا أردت أن ينشأ ولدك مزدهر الشخصية فعليك بإشاعة المودّة والاحترام الزوجي ، لأنك إذا غمرت أهلك بالمودّة والرحمة ، كان ذلك باعثا للولد على احترام أعضاء الأسرة .
فعليك أن تجتنب الحدّة والغضب لأنّ الغضب يصدّع البنية العاطفية بينك وبين زوجتك , وعليك أن تتحاشى كلّ كلمة بذيئة وجارحة بحق الزوجة فإنّ انتقاصها بمقايستها بالنساء في بعض الأحيان , له مردود نفسي عارم على نفسها .
في الوقت الذي قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( قول الرجل للمرأة : إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدا ).
فلقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خير الناس لأهله ، كما قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ): (خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ) .
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : ( رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته فان الله عز وجل قد ملكه ناصيتها وجعله القيم عليها ).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام ) : ( إن المرء يحتاج في منزله إلى ثلاث خلال يتكلفها وإن لم تكن في طبعه ذلك : معاشرة جميلة , وسعة بتقدير , وغيرة بتحصّن ) .

أيها الأب العزيز : فمن موارد الإحسان بينك وبين زوجتك هو الغيرة عليها , ولكن في هذا المجال , عليك أن تفرق بين مفهومي الغيرة والشك , إذ يفرز كل مفهوم موقفا تجاهها ، لأن أحدهما يتحرك في إطار الحب للزوجة والحفاظ على تماسك الأسرة , وهو الغيرة في موضعها , أما الآخر فيتحرك في إطار الشك في الزوجة والتخريب لبناء الأسرة , وهو الغيرة في غير موضعها .
لذا قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) : ( إياك والتغاير في غير موضع الغيرة , فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم , ولكن أحكم أمرهن فإن رأيت عيبا فعجل النكير على الكبير والصغير) .
إن الغيرة على الزوجة ، هو أحسن صنيع لها ، وهو الدليل على احترامها وتقديسها ، حيث تحرص عليها وتحصّنها من أعين النظار والطامعين ، وتدرّعها بمخافة الله عز وجل فيك وفي بيتها وأولادها .
أما الشك ، فهو : أن تتهمها بما ليس فيها ، وبما لم يقم لك عليه دليل أو حجّة ، ممّا يؤدّي إلى نتيجة مؤسفة , وهي : تصدّع تلاحم الأسرة , وتداعي بنائها ، وتخريب قاعدتها .
فتعال أنبئك بالنتيجة من وراء قذف الزوجة بلا شهادة ، في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) النور:6-9 .

أيها الأب العزيز : فإنّ هذا العلاج الحاسم الذي وضعه الله عز وجل لهذه المشكلة ، وهو اللعان إنما يهدف إلى وضع الزوج أمام تلك النتيجة الخطرة ، كثمن لإذاعته التهمة على زوجته علنا , وستعرف مدلول هذه الآيات من خلال القصة التالية :
روى أنّ هلال بن أمية جاء من حديقة له ، فوجد رجلاً عند امرأته ، فأصبح في الغد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) , فقال له : إني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلاً معها , ورأيته بعيني , وسمعته بأذني ، فكره رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى رؤت الكراهة في وجهه
فقال له هلال : إني لأرى الكراهة في وجهك ، والله يعلم أني لصادق ، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا ، فهمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بضربه , قال , قال : وإجتمعت الأنصار فقالوا : إبتلينا ، أيجلد هلال وتبطل شهادته ؟ , فنزل الوحي وأمسكوا عن الكلام حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل , فأنزل الله تعالى ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ......) الآيات .
فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ، فقال : قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى .
فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( أرسلوا إليها ) فلاعن بينهما فلما انقضى اللعان فرّق بينهما ، وقضى أنّ الولد لها ولا يدعى لأب ).

أيها الأب العزيز : في هذه الطريقة العلاجية التي قدمها القرآن الكريم , إذ حلف هلال أربعاً بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، وحلفت زوجته أربعاً انه لمن الكاذبين ، والخامسة أنّ لعنة الله عليها إن كان من الصادقين .
فقد حرص الإسلام على غلق الحديث عن الفاحشة , كما قال عز وجل : ( إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) النور:19 .
وقال تعالى : ( إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النور:23-24 .
ففي عملية اللعان تحصين للمرأة عن التشهير والحد ودرس بليغ للزوج ، ليكف من أقواله وتهمه لها بلا دليل ولا حجّة ظاهرة ، رغم ما يترتب على اللعان من نتائج فسخ العلاقة الزوجية بين الزوجين ، والحرمة الأبديّة بينهما ، وسقوط حد القذف عن الزوج وحدّ الزنا عن الزوجة مع إنتفاء الولد عن الرّجل دون المرأة إن كان اللعن لنفي الولد .
وأما إذا كان اللعان للقذف فقط ، فيلحق به الولد إن ولد لستة أشهر ولا يجوز إنكاره ، وإن ولد لدون ستة أشهر ألحق بمن قيل فيه على تفصيل واسع في كتب الفقه

9– لا تستهن بحق أهلك في وقتك

أيها الأب العزيز : رفقا بمن جعلت القيمّ عليهم من أولادك وزوجتك ، ورفقاً بهذه البنية الإجتماعية المصغرة التي استرعاك عليها ربّك , وجعلك على رأس السلطة التي تديرها بحقها ، وأن تقِيها بما وقيت منه نفسك .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( إن الله تعالى سائل كلّ راع عمّا استرعاه , أحفظ ذلك أم ضيّعه , حتى يسأل الرّجل عن أهل بيته ) .

فإليك مضمونا ملخصا من كلام طويل , لسيدة عالمة نفسانية فرنسية إسمها ( بياترس ماريو ) وهي أم لثلاثة أولاد , تتحدّث عن مسؤولية الرّجل تجاه زوجته خلال أشهر الحمل تقول :
(إن الواجب الذي يكلف به الرجل في تلك الفترة , هو : أن يمنح زوجته جزءا من وقته للتواجد عندها ليزرع الثقة والأمان والهدوء في نفسها , لأنها أحوج ما تكون إليه في تلك الفترة , خصوصا قرب وضع الحمل , لأنها عندما تحس بأن بطنها قد ارتفعت , وأن جمالها قد تغير وتضاءل , واستولى عليها الغثيان , فستعزو ذلك كله إلى عمل الزوج الذي كان سببا في حملها .
فإذا لم تجد إهتماما من زوجها بها وبطفلها المرتقب , سيتحول هذا الحمل إلى شعور باليأس والإشمئزاز من الأمومة , وإلى حالة من حالات الإحتضار) .

أيها الأب العزيز : فعليك أن تعرف : بأنك مسؤول عن إظهار محبتك لأسرتك , بإعطائهم حقهم في وقتك , ولا تبذل الوقت في غير موضعه , لأنك كما تحرص على أن لا يضيع منك درهم أو دينار , فاحرص أن لا يضيع منك حقهم في الوقت , لأنّ مضيعة المال ليست بأخطر من مضيعة الوقت , التي بها مضيعة الأهل .
فلعلك تعطي الكسب والعمل جلّ وقتك , فتعود إلى البيت متعبا , ليس أمامك إلا أن تستحضر وجبة الطعام التي تأكلها ثم تخلد إلى النوم , لتستجمع قواك لتذهب إلى معركة اليوم الجديد , فتدعوك أتعابك إلى أن تبخل عليهم بجزء يسير من الوقت .
فلا ينبغي أن تستهين بحقهم بهذا الجزء اليسير من الوقت الذي عليك أن توفره لهم , وعليك أن تعلم ما لهذا الجزء من الوقت أو ذاك , من الأثر في توفير الزخم العاطفي في نفوس زوجتك وأبنائك .
تعطيك رسالتك في الحياة منهجا عمليا مثمرا , بأن تجعل أوقاتك أربع ساعات , ساعة لربّك , وساعة لمعاشك , وساعة لإخوانك , وساعة لأهلك
وقد جاء في الحديث : ( إن لنفسك عليك حقا , وإن لجسدك عليك حقا , وإن لزوجك عليك حقا , وإن لعينك عليك حقا ),
فعليك أن تحرص على حق الرّعاية والتربية لأهلك وأبنائك , كما تحرص على تحفك ومدّخراتك من الضياع في مجاهل طرق الحياة .
وقل : (اللهمّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذرّيتي ربّنا وتقـبّل دعاء) .
رساله الاسره



رســالـة إلــى الأم

إليــك أيتهــا الأم الكريمة

أيتها الأم الكريمة : يا مهد الحنان ومعهد التربية ، يا من تشاطرين الرجل مسؤولية البناء ، فتحملين وتضعين وترضعين وتسهرين ، وكلّك رضا , وابتسام يغمر البيت بالرقة والرحمة والحنان .
لا تختلف عندك مباهج الحياة ومتاعبها , لأنك تستلين المباهج من قلب متاعبك في سبيل الأسرة , حتى قال عنك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( جهاد المرأة حسن التبعل ).

أيتها الأم الكريمة : عليك أن تعرفي حقك الذي أعطاك الإسلام ، فقال تعالى : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة : 228 .
وقال تعالى : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) النساء:32.
فقد شرع الإسلام استقلالك مدنياً في البيع والشراء والهبة والإعارة والإيجار والتعلم والاكتساب .
ولكن لا على حساب وظيفتك وموقعك في الأسرة ومكانك الذي وظفك الإسلام فيه ، وجعلك سيدة البيت التي لابدّ أن تكرّم وتكسى ، وتطعم وترزق (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف) البقرة 233 .
وقد روي : أنّ امرأة معاذ قالت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا رسول الله ما حق الزوجة على زوجها ؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( أن لا يضرب وجهها ، ولا يقبحها ، وأن يطعمها ممّا يأكل ويلبسها ممّا يلبس ، ولا يهجرها).

أيتها الأم الكريمة : عليك أن تستوحي من هذا النص الشريف : أنك إنسانة لها موقعها في نظر الرسالة , كأي مخلوق لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا .
وكما أن لك حقا , فينبغي أن تفكري في الحق الذي عليك تجاه الزوج والأسرة , بأن تكوني لزوجك صمام الأمان الذي تستقر إليه نفسه , وأن تعلمي أن فراشه هو عرش مملكته الأسرية , وأنك ضيف الشرف لهذه المملكة .
فعليك أن لا تعصيه في معروف , ولم يقل: ولا يعصينكم في أمر , لأنّ كلمة (المعروف) هي التي تختزن المضمون الذي يرسم لك مسار التعامل مع الزوج , وتحدد لك القناة التي تصب فيها الطاعة للزوج , وهي: عدم الخروج عن ضوابط الشريعة , ومبادئها وقيمها الأخلاقية .
ومن أجل إيضاح موقعك أكثر، ولتفهمي قدر أمومتك ودورك في صنع الحياة ، فتعالي معنا إلى تصحيح بعض المفاهيم :

1- لا تخلطي بين تعامل الإسلام وتعامل المجتمع

أيتها الأم الكريمة : ويا أيتها الأخت والبنت ، تكثر في هذه الأيام وفي غيرها من الأيام ، الندوات والمؤتمرات التي تحمل شعار المطالبة بحقوق المرأة , وإنقاذها من مظلوميتها .
فلنا أن نسأل , لماذا تأتي هذه الكلمات والدّعوات والشعارات من خارج البلاد الإسلامية , وتنادي بها المجتمعات الأوربيّة ، فتغتذي بها المرأة المسلمة ، وينساق وراءها بعض الكتاب المسلمين ؟ .
وهل أولئك أحرص على مصلحة المرأة من دينها ورسالتها حتى تهمل الأطروحة الإسلامية التي جاءت تحمل لك أعظم الحقوق الواضحة انسجاماً مع قانون العدالة الاجتماعية ؟! .
إنّ من المؤسف – أيتها المرأة المسلمة , أن يكون هناك خلط – في بعض الأفكار – بين تعامل المجتمع , وبين تعامل الإسلام تجاه المرأة ، فتلقى آثار وتبعات المجتمع – في عدم فهمه لطريقة التعامل مع المرأة – على الإسلام .
إذ لا يزال تعامل المجتمع وإساءته للمرأة ، إمتدادا لمجتمع الجزيرة العربية وتقاليدها وعاداتها ما قبل الإسلام ، مضافا إلى عادات وتقاليد المجتمعات المتحضرة في الوقت الحاضر .
فإذا تفهمت – أيتها المرأة المسلمة – رسالتك الإسلامية وأمعنت النظر في قوانينها وموادّها التشريعية ، لوجدت أنها أول رسالة أنقذت المرأة من بين مخالب كماشتين :

الأولى : كماشة العالم العربي قبل الإسلام ، حيث كانت المرأة محرومة من حقها في الإرث والكرامة ، فهي لا ترث مع وجود الذكر البالغ ، لأنه المدافع عنها كما يزعمون .
في الوقت الذي نجد الإسلام ينادي : ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ) النساء:11.
وكان الولد يمنع أرملة أبيه من الزواج ما لم تتنازل له عن تمام الميراث الذي ورثته من أبيه ، وكان يضع عليها ثوباً بعد وفاة أبيه ، ويقول : ورثتها كما ورثت مال أبي ، ثم إن شاء تزوجها هو بغير مهر، أو زوجها لغيره وتسلم مهرها .
حتى جاء الإسلام فحرّم ذلك الإجراء ، فقال عز وجل : ( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً ) النساء :22 .
كما أن زواج المرأة المطلقة التي ملكت أمرها بنفسها ما كان يتم إلا بعد أمر وليها ، وليس لها حق الاعتراض.. وكان الأب يلزمها بان تتنازل له عن كل ما كانت تمتلكه قبل الزواج وبعده فحرّم الإسلام ذلك فقال : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة : 232 .

الثانية : كماشة العالم المتحضر ، فانك – أيتها المرأة – تفهمين من خلال الظواهر الشائعة في الغرب ، على ماذا يقوم نمط الزواج ؟
انه يقوم على مجرد الرغبة في الفتاة لمجرد العلاقة الجنسية ، دونما أي عقد أو عهد يربط بينهما .
فقلما يذهب أحد إلى الكنيسة لإجراء العقد , وإبرام العهد بين الزوجين , فإذا ما انتهت الرغبة بالفتاة ، كان مصيرها الرفض والطرد ، إذ لا يربطه بها قانون ملزم .
وناهيك عمّا كان مأخوذا به قبل 400 سنة ، من الإستهانة بقدر المرأة ، وجعلها سلعة تباع وتشترى وتعار للغير .

2- لا تخلطي بين التصنيف والتفضيل في الموقع :

أيتها الأم الكريمة : لعلّ لديك تصوّرا - من خلال بعض النصوص الكريمة في الكتاب العزيز- أن الله عز وجل ، فضل عليك الرّجل في الموقع ، والعطاء والجزاء ، فرفعه ووضعك ، وكرّمه واستهان بك ، وأعطاه وحرمك ، وكلفه وأهملك .
ولذا لو قيل : أنّ هناك فروقا بين الرّجل والمرأة كان ذلك مثل الصاعقة على بعض النساء , فلم يعد هذا القول مستساغا لهُن بحكم المفاهيم الخاطئة التي تسللت إلى أفكارهن .
فيعتبرن القول بوجود الفوارق فكرا قديما وباليا , وتصوّرا من تصوّرات القرون الوسطى , وهو ما ساعد على ترسيخه في أذهانهن أعْداء الإسلام من خلال تحريفهم لمفاهيم نصوصه وبياناته .
في الوقت الذي نرى : أنّ التقدم العلمي هو الذي أثبت الفروق الطبيعية بين التركيبتين الذكرية والأنثوية , ولكن هل يعني ثبوت الفرق أن الرجل أفضل والمرأة أدنى جنسا من الرجل ؟ كلا , وإنما تعتبر هذه الفوارق , كالفوارق بين أعضاء الجسد الواحد , إذ أن لكل عضو موقعه ووظيفته الخاصة به , والكل في درجة كبرى من الأهمية .
ثم أن هناك اختلافا بين الفروق الطبيعية كالطول والقصر واللون مثلا , وبين الفروق التفضيلية كالعلم والجد والشجاعة والكرم , فالأولى ليست مقياسا للتفاضل , بينما الثانية هي مقياس للتفاضل حتى بين الرجل والرجل , وبين المرأة والمرأة .

أيتها الأم الكريمة : ومن الثوابت في القرآن الكريم ، لابد وأن ترجع إليها المفاهيم ، وترتبط بها كافة النصوص الإسلامية ، لعلاج الوهم الذي صرف ذهنك عن حقيقة التقييم الذي أعطاه لك الإسلام ، فقفي معنا على ما أوحى إليك بهذا الوهم

أولا:- قوله تعالى : ( ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) النساء :32 .
فقد توحي إليك هذه الآية الكريمة ، بأنّ هناك فضلاً للرّجل عليك ، في الوقت الذي يروى : أنّ الآية نزلت لعلاج التساؤل الذي تقدّمت به وافدة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) , فقالت : يا رسول الله , أليس ربّنا وربّ الرّجال واحدا ؟ قال: بلى , قالت : فما بال الله يذكر الرّجال ولا يذكرنا ؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة , فنزلت الآية لبيان أنّ لكل من الصنفين موقعه .
فاعلمي أنّ هذا الوهم كان قديماً في تصوّر المرأة , بحكم شعورها وإحساسها النبيل بضرورة المشاطرة لمهام الرّجل ومسؤولياته .
فلا ينبغي أن يكون العلاج لهذا الوهم باعثاً على وهم آخر ، وإنما كان التعبير (بعضكم على بعض) مشيراً إلى : أنّ إمكان تفضيل الرجل على المرأة في خصلة مّا , لا ينفي تفضيل المرأة عليه في خصلة أخرى , لا سيما وأنّ الخطاب بالتفضيل ليس موجها إلى خصوص الرجل .

ثانيا:- قوله تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة :228.
فقد تسأل المرأة المسلمة عند قراءة هذا النص أو سماعه ، ما هذه الدرجة التي فضل الله بها الرجل على المرأة ؟
ولم يقتصر هذا التساؤل على ذهن المرأة فحسب ، بل تعدّى إلى قلم الكاتب أو المفسر , فتراه يُدخل في قناعة البعض , مفهوما : بأنّ هناك فضلاً للرّجل على المرأة بنحو مطلق .
بل قديماً في التاريخ ، لما نزلت آية المواريث ، قال جماعة من الرّجال : نرجو أنْ نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ، وقالت النساء : نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرّجل في الآخرة , كما كان لنا النصف من الميراث .
فاعلمي – أيتها المرأة المسلمة – إذا كان للرّجل عليك درجة ، فلا ينفي هذا أنْ يكون لك عليه درجة من جانب آخر , بحكم تعدّد المواهب وتنوّع الإختصاصات .
فإذا كان المقصود من الدرجة – كما في بعض الآراء – أن الإسلام أعطى الرّجل حق التخلية ، بمعنى: أنّ بيده حق الطلاق وفق القاعدة المعروفة (الطلاق بيد من أخذ بالساق) ، ففي مقابل ذلك , فقد منح الإسلام للمرأة الحق في اشتراط كون العصمة بيدها أثناء العقد .

أيتها الأم الكريمة : أما إذا كانت الدرجة التي للرجل تعنى القوامة ، وفقا لقوله عز وجل : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) النساء :34.
فإنّ القوامة , إنما تعنى المسؤولية عن المرأة ، باعتبارها محتاجة إلى الرجل بما فضله الله عز وجل عليها من التركيبة البدنية , والقدرة على التحرك والسعي والعمل , من أجل توفير المستوى المعاشي اللائق بمكانتها وشأنها .
ولا تعني القوامة على المرأة هبوطا بقدرها وقيمتها الإنسانية , ولا الحكم عليها بالقسوة ، والتحكم بمقدّراتها وإرادتها ، والإستبداد في التعامل معها , كما لا تعني القوامة سلطة من السلطات .
بل هي واجب من الواجبات , ومسؤولية على عاتق الرجل , وليست المسؤولية موقعا لخدمة الذات والأنا , إلا لمن يريد أنْ يسخر هذا الموقع من أجل خدمة ذاته ومصالحه الخاصة فقط , كما هو ديدن السلطات الدكتاتورية

ثالثا:- قوله تعالى ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ) النساء:11 .
فقد يوحي إليك هذا النص الكريم – أيتها المرأة المسلمة – أن الله عز وجل ، قد أنقص حقك في الإرث إلى النصف ، أو حرمك من الإرث بالأرض إذا كنت زوجة ، أو حرمك من النصيب الأعلى وهو الربع لوجود الولد للزوج , إنتقاصا لقدرك ودورك الإنساني والإجتماعي . فأصبح الموضوع من المشاكل التي استغلّها كلّ من له مصلحة بالطعن وتوجيه التهم لرسالتك الإسلامية .
بينما لابدّ أن تعلمي : أنّ المسألة هذه ترتبط بحكمة التوزيع ، وميزان العدل الذي ينشده الإسلام في خط التوزيع . وذلك لأنّ التكاليف المالية ملقاة على عاتق الرجل ، زوجاً كان أو أباً ، أو إبناً أو أخاً , وليس على المرأة مسؤولية عن التكسب والنفقة والمأكل والملبس والمسكن ، مضافا إلى أنّ المرأة قد تستأثر بالمال كله في حالات معينة ، وإذا كانت زوجة فهي ترث مع كافة الطبقات الإرثية .

أيتها الأم الكريمة : وأمّا كونك لا ترثين من زوجك في الأرض ، فعليك أنْ تدركي حساسيّة هذه المسألة ، بالنظر إلى كون الأرض وسيلة رئيسيّة منْ وسائل الإنتاج , وذلك :
لأنك إنْ كنت باقية بعد زوجك تحت نفقة الأولاد ورعايتهم , فأنت مستفيدة من الأرض إلى جانب الحصّة الإرثية في المنقولات ، وأمّا على فرض اختيارك للزواج من شخص آخر ، فإنّ ذلك سيكون سبَباً لدخول الأجنبي فيهم .
وبإمكانك أن تدركي هذا الأمر , في تعليل يروى عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على أثر سؤال توجّه إليه حول عدم إرث الزوجة من رقبة الأرض ؟ , فكان فحوى جوابه (عليه السلام) : ( لأنها تدخل عليهـم الأجنبي ) , مع العلم : أنّ هناك رأيا لبعض فقهاء الإسلام , بناء على هذا التعليل , يقضي بفرض سعر الأرض للزوجة .
مضافاً إلى ذلك : أنّ هناك مجالاً لهبة الأرض لها أثناء حياة زوجها , لكونه مخوّلاً بالتصرف بماله كيف يشاء , ومن حقه أن يعطي ما شاء لمن يشاء وكيف يشاء في حال الحياة .
ولكن كلّ ذلك في حدود الضوابط الشرعية , هذا مع إمكان الهبة من نفس الورثة وهم الأولاد , مع أنّ الزوجة ترث مع كافة الطبقات الإرثية الثلاث , فهل تجدين مثل هذه المرونة في الأنظمة الوضعية ؟ .
فلم يكن الحكم بتحديد الحصة الإرثية , أو الحكم بعدم توريث الزوجة حصة من الأرض حكماً باتاً , ولا إجراء حدّيا يغلق الأبواب أمام التصرف الآخر بطرق مشروعة لإعطائك الحق في الأرض وزيادة .

رابعا:- قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (جهاد المرأة حسن التبعل) .
فقد تتساءلين - أيتها المرأة المسلمة - عن سبب إختصاص جهاد المرأة بحسن التبعل , كما تساءلت أم سلمة ، حيث قالت : يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء ، وإنما لنا نصف الميراث , فيا ليتنا رجال نغزو ونبلغ ما بلغ الرجال .
ففي رواية ، أنه نزل بهذه المناسبة قوله تعالى: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) النساء :32،

أيتها الأم الكريمة : نأمل أن يكون هذا التساؤل في نفسك أيضا بدافع الشعور بالمسؤولية , وضرورة مشاطرة الرجل بالمهمة التي أنيطت به .
وبما أن التمني ـ يعني بغية المستحيل ـ فهو منهي عنه ، إلا أن يكون تمني غبطة وهو المنبعث عن الشعور بالمنافسة المشروعة في إطار السعي لاكتساب الخصال الحميدة ، وتحصيل المنازل الرفيعة
ولاشك أنّ المرأة المسلمة الواعية تتطلع إلى هذا الموقف , وقد استجاب لها الإسلام , وملأ تطلعها في كثير من الميادين التي استطاعت أن تؤدّي فيها ما يمكنها .
وقد يكون موقفها أصلب من الرجل ، كما ذكر التاريخ عن صفية بنت عبد المطلب عمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أثناء غزو اليهود للمدينة ، حيث أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بجمع النساء على (الأطن) وهي المرتفعات على حدود المدينة .
وطوق المقاتلون المدينة دفاعاً عنها ، وعندها شاهدت صفية يهوديّاً يدور على الأطن ، فانتدبت له حسان بن ثابت الشاعر المعروف الذي كان جالساً هناك ، وقدّمت له سيفاً ودعته لقتله , فأعلن اعتذاره قائلا : لا يا بنت عبد المطلب , إني لا أقدر على هذا الأمر .
فأخذت السيف وإحتزمت على وسطها ، وهجمت على اليهودي وضربت عنقه ، ثم دعت حسان لينزل إليه ليأخذ منه البزة العسكرية , السيف والدرع والمغفرة ، فتهيب حسان واعتذر بأنه لا يستطيع رؤية الدم فنفذت بنفسها ما أرادته 0
وأمثال هذه المواقف كثيرة – أيتها المرأة – وهي تؤكد أنّ المرأة التي تتربّى في أجواء البطولة والشجاعة تستطيع أن تصنع الموقف الذي يعجز عنه الرجل .
فاعلمي – إذن – أنّ اختصاص الرجل بالجهاد والميدان العام إنما يعني التصنيف وتوزيع الأدوار لا التفضيل .
فأنت – أيتها المرأة المسلمة – لو سألت مجموعة من الناس عن طموحاتهم وميولهم ، لأجابك كلّ واحد منهم بميل خاص ، فمنهم من يختار الطب , والآخر الهندسة , والثالث الصناعة ، وهكذا .
فمن اختار اختصاص الطب لا يعني أنه لا يصلح للهندسة وهكذا العكس ، وأنت – أيتها المرأة المسلمة – فعندما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيك : (جهاد المرأة حسن التبعل) لا يعني أنك لا تصلحين لحمل السلاح أو العمل في الميدان العام ، بقدر ما يعني أنّ هذا من أبواب الجهاد .

3- لا تصرفنك الشعارات عن رسالة الأمومة :
أيتها الأم الكريمة : إعلمي أنّ هناك شعارات ومصطلحات غرقت بها الندوات والمؤتمرات في العالم ، مثل مصطلح حقوق المرأة ، ولا يختلف هذا المصطلح عن مصطلح حقوق الإنسان ، وحقوق الأقليات .
ولا شك أن هذه المصطلحات وغيرها , هي مصطلحات بشرية ولدت في مناخ غربي بعد قيام الثورة الفرنسية .
بينما نجد أن المصطلح الإسلامي الذي يجمع بين كافة الحقوق , هو : (حقوق العباد) ، وهذا المصطلح : أوّل ما يشعر الإنسان بواجبه ورسالته تجاه الله عز وجل ، لينطلق من خلال الأداء الصحيح لهذا الواجب إلى أداء الحقوق العامة .
وهذا الأمر هو أوّل شيء بدأ به الرّسل والأنبياء في دعوتهم ، وذلك لأنّ الإنسان إذا بدأ بالحق الذي عليه تجاه ربّه وتجاه الناس , فسيصل إليه الحق تلقاءً ، لأنّ حق الإنسان الفرد يذوبُ في حق الأمة .

أيتها الأم الكريمة : فلا يخدعنك مصطلح أو شعار حقوق المرأة ، فيجعلك تفكرين بهذا التهريج الذي أشاعه المغرضون ضدّ الإسلام ، بدعوى أنّ المرأة نصف المجتمع ، لكنّ الإسلام هضمها حقها , وأخضعها لضغوط المنزل وروتين الأسرة , وأنزل من قدرها ، لا لشيء إلا لأنّ الإسلام أمرك بالحجاب الشرعي ، وركز على دورك في أداء رسالة الأمومة في الأسرة .
ومما يؤسف له , أن هناك كتابا من المسلمين يريدون أن يكونوا أنصارا للمرأة , وحماة لحقها في حرية المظهر وحرية الحركة , فانساقوا وراء تلك الدعاوى والنداءآت .
وهم يحاولون أن يصرفوا النصوص الإسلامية عن مداليلها ومضامينها المقصودة , ويفسرونها بأهوائهم , تزويراً للحكم , وإخفاءاً للحقيقة , وتبريراً للخلاعة والتبرج , ومداعبة لمشاعر المرأة , ومجاملة للمدنية المنحرفة .
وقد أشار سماحة الشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره) إلى مثال من هذا التيار الثقافي المنحرف , في كتابه (من أشعة القرآن – القسم الأول) ص : 65 , فقال :
(ومن الغريب أن كاتبا من أنصار المرأة – المسلمين بالطبع – يعرض لقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) الأحزاب : 33 .
فيكبر عليه هذا المنع الصريح , ثم يروم تأويل الآية , فيفضحه النص وتخونه الشجاعة أن ينبذ الإسلام والقرآن فيستغني عن التكلف .
وأخيرا يلجئه الموقف أن يقول:التبرج في الآية خفي المعنى غامض الحدود , لأنه تبرج الجاهلية الأولى , وليس في النص ما يحدد معناه) !!
ثم يخلص إلى أن المراد به نوع من البغاء , كان مألوفا في الجاهلية الأولى لنساء مترهبات , كن يضربن قبابا على مفترق الطرق , وفي موحش السبل , يبذلن فيها أنفسهن للمسافـرين والمضطرين , ويتقـربن إلى آلهتهن بهذا العمل , كما يتقرب المتعبدون بإطعام الجائع وكسوة العاري .
هذا النوع من البغاء المقدس العام هو التبرج الذي حرمته الآية – في رأي الأستاذ – لا إظهار المرأة زينتها للرجال – كما يدعي المفسرون واللغويون – حتى ولا البغاء الخاص , ولا البغاء السري أيضا .
أرأيت إلى أية حطة ينتهي هؤلاء فيما يكتبون ؟؟ ...إنتهى)

أيتها الأم الكريمة : إعلمي أنّ هذا وأمثاله من الكتاب الذين تحركوا في ركاب المدنية المنحرفة , يمقتون الضوابط والقيود التي تهدف إلى الحشمة في سلوك ونشاط المرأة , ويريدون أن يلغوا شمولية النصوص الإسلامية , وأن يخصصوها بمرحلة تأريخية معينة , وأن يُخضِعوا مبادئ وقيم الإسلام لرغبات ومفاهيم غربية , وهم يعلمون أنّ تلك الدّعاوى لا تنفذ إلا من خلال المرأة الجاهلة بتعاليم الإسلام ، والتي تستهويها تلك الشعارات .
فعليك – من ناحية – أن تعتقدي بشمولية النص القرآني السابق , الذي خاطب الله عز وجل به نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مضافا إلى الآيات التي نصت على تحريم التبرج لعموم النساء المؤمنات .
ومن ناحية أخرى : أن تحدّدي واجبك في ميدان الأسرة ، وهو : أداء رسالة الأمومة , لأنك إمّا أنْ تكوني أمّاًً لأولاد فعلاً ، وإمّا أن تكوني على عتبة الأمومة , وعلى كلا الفرضين فأنت تحملين رسالة الأمومة في هذه الحياة – حتى وإنْ كنت أختاً أو بنتاً كذلك .

أيتها الأم الكريمة : إنّ رسالة الأمومة رسالة مقدّسة ، قد طأطأت لها العروش والمناصب ، وتذللت لها الجنان من أعلى عليائها ، إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الجنة تحت أقدام الأمّهات) .
وتتضح فلسفة هذا الحديث أيتها المرأة الأم ، إذا ما عرفت أنّ تربيتك للأولاد ورضاك عنهم هما السببان الموصلان إلى رضوان الله تعالى والجنة >

4- كوني بمستوى رسالة الأمومة :

أيتها الأم الكريمة : إعلمي أنّ العمل لا يتخذ قيمته من خلال اتساعه وضخامته ، بل من خلال نتائجه وآثاره الإيجابية على واقع الحياة .
إنّ الرجل ليجاهد في ميدان المنازلة مع عدو الله عز وجل , ويجاهد في ميدان الكد على عياله والنفقة على أسرته .
فكما ورد ثناء الله عز وجل ومدحه للمجاهدين في الميدان الأول , فقد ورد مدحه وثناؤه عز وجل كذلك في الميدان الثاني , فقد جاء في الحديث الشريف : ( الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله) .
والمرأة قد تجاهد في ميدان المنازلة العسكرية كذلك ، ولكنّ جهادها في ميدان الأسرة لا يقصر أهمية بحكم النتيجة , لأن المرأة الأم , هي التي تمدّ الجيل بالبقاء ، من حمل الطفل إلى وضعه , إلى رضاعه وتربيته , وإفاضة العاطفة والحنان على نفسه ، ولولاك - أيتها المرأة الأم - ما كانت البطولة ولا العبقرية ولا الشجاعة في ميادين المنازلة .

أيتها الأم الكريمة : وكما تعلمين أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) لما أراد أن يتزوّج بعد فاطمة الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كان دقيقاً في الإختيار، لمعرفته ما للمرأة من دور في خلق العبقرية والبطولة .
فقال لأخيه عقيل بن أبي طالب ـ وكان خبيرا بقبائل العرب ـ أخطب لي امرأة ولدتها فحول العرب ، لتلد لي غلاماً يعدّ لنصرة ولدي الحسين (عليه السلام) .
فاختار له فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية , وهي أم البنين الأربعة , الذين ولدوا لعليّ (عليه السلام) وفي طليعتهم بطل العلقمي , وقمر بني هاشم , أبو الفضل العباس (عليه السلام) .

أيتها الأم الكريمة : هكذا تثبت الآثار حقيقة لا تقبل الشك , وهي : أنّ المرأة في أدائها الصحيح لرسالة الأمومة مجاهدة في سبيل الله عز وجل ، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( جهاد المرأة حسن التبعل ) .

5- قوة رسالتك التربوية في قوة مواهبك :

أيتها الأم الكريمة : إعلمي أن الله عز وجل ، قد بنى فيك القاعدة التربوية الرصينة ، ووفر فيك عناصر قوّة الأمومة ، الراعية الداعية إلى بناء الجيل ، وأهم هذه العناصر هي :

أ – لقد متعك الله بطاقة كبرى من العاطفة والحبّ لشتى ألوان المعاناة , من الأوجاع والسهر في سبيل الأبناء , وبهذه العاطفة والحب لمرفأ حياتك الزوجية جعلك تتناسين وتتجاهلين كلّ المرارات والأتعاب والأوصاب .
هذا الأمر الذي تستحقين عليه الإجلال والثناء ، ويحق معه التأكيد على ثمرة أحشائك ، أن يفي لك بالحق , ويرعاك في كبرك كما رعيتيه في صغره , وقد خاطبه الإمام زين العابدين (عليه السلام ) بقوله :
( وإما حق أمك : أن تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحدا، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحدا، وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها، وجميع جوارحها مستبشرة بذلك ).
فهو (عليه السلام) يصف ما أنت عليه من الحنان الزاخر والعاطفة الفياضة , التي أودعها الله عز وجل في قلب كلّ أمّ من الحيوان والإنسان لكن هذه العاطفة في قلبك , أظهر وأقوى ، لأنها تصاحب قلبك إلى نهاية المطاف من حياتك .
واسمعي ما ذكر من الشواهد لبيان هذه الحقيقة : أنه حدث جدل بين أبي الأسود الدؤلي وزوجته حول إبن لهما ، أراد أن يأخذه منها وهي متعلقة به فصار إلى زياد بن أبيه والي البصرة .
قالت المرأة : أصلح الله الأمير هذا إبني كان بطني وعاءه ، وحجري فناءه ، وثديي سماءه ، أكلؤه إذا نام ، وأحفظه إذا قام ، فلم أزل كذلك سبعة أعوام ، فحين أملت نفعه , ورجوت دفعه , أراد أخذه مني قهرا .
فقال الزوج : أصلحك الله , أنا حملته قبل أن تحمله , ووضعته قبل أن تضعه.
فقالت الزوجة : صدق أيها الأمير ، ولكنه حمله خفاً , وحملته ثقلاً ، ووضعه شهوة ، ووضعته كرها .
فأذعن زياد للأمر وقال له : أردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك ودعني من سجعك .

ب - في مقابل ما تحملينه من زخم الحنان أيتها الأم ، فقد غرس الله عز وجل ، حبك في قلوب صغارك ، وجعلهم يميلون إليك أكثر ، ويستحبوّنك ويألفونك أكثر ممّا يألفون الأب ، ويسعون في كسب رضاك , لأنك أوّل وأقرب روضة للحبّ والحنان يرتعون فيها .
وبهذا ملكك الله عز وجل قوّة التأثير فيهم صغاراً ، وجعل فطرتهم تربة خصبة لبذر كلماتك الطيبة .

ج - إنك – أيتها الأم – أكثر دراية وإمعاناً بمزايا طفولة أولادك ، وتفهمين لغة الطفولة وإشاراتها وتطلعاتها وبنائها النفسي .
وبالتالي فأنت خبيرة بأخلاق وسلوك هذه الطفولة ، بحكم المعاشرة الدائمة لها من الصغر إلى مرحلة النضوج .
وعلى هذا الأساس فأنت قادرة على تفادي وإصلاح أيّ خلل أو إنحراف في سلوك الأبناء ، فكوني مدرسة تربوية ناجحة .
لأنّ سرّ النجاح في منهجك التربوي ، يكمن في امتزاج الفكرة والمفهوم الذي تريدين إيصاله إلى ذهن طفلك بعبق الحنان والحب الذي تحملينه له .

6- التزمي بالثوابت في طريق التربية :

أيتها الأم الكريمة : تعالي إلى ما يقع في طريق المنهج التربوي من ثوابت عليك مراعاتها ، ورفض ما يتعارض معها من مظاهر تعرقل قدرتك على التأثير، ومن هذه الثوابت :

أ - كوني قدوة صالحة :

أيتها الأم الكريمة : فعليك أن تخلقي من نفسك مثلاً سامياً ، وقدوة حسنة يستلهم منها الأولاد هدي الأمومة الطيبة ، ويستنشقون منها عبق الإيمان الصادق .
فإذا التزمت بالواجب الإسلامي ، وبمظاهر العفة ورفضت مظاهر التبرج وتبرج الجاهلية الأولى – ولو في نطاق الأسرة – كنت بذلك مثالاً رائعاً ، ومحتذىً صالحاً لأولادك , وربما تسألين : أليس من حق المرأة التبرّج داخل بيتها حيث لا يراها ناظر أجنبي؟ .


فأقول لك : نعم من حق المرأة ذلك ، ولكن في نطاق المخدع الزوجي ، كما جاء في الحديث الشريف : (خير نسائكم من إذا دخلت مع زوجها خلعت له درع الحياء , وإذا لبست لبست معه درع الحياء)
وليس الظهور أمام الأولاد بمظاهر الزينة الحساسة التي تؤدّي إلى خرق ضوابط الحياء , وإلى شيوع مظاهر الإبتذال الأسري .
ب - روّضي أولادك على الطاعات :

أيتها الأم الكريمة : بما أنك تملكين القدرة على التأثير في الأولاد ، فعليك أن تحذريهم خطر المعصية ، وعقوبة الذنب من ناحية .
ومن ناحية أخرى : أن تحبّذي إليهم كلّ طيب من العمل ، وتعرّفيهم نتائج كل طاعة الله عز وجل وتشدّي على سواعدهم في عمل الخير , لأنهم أقرب إليك من غيرهم .
وخصوصا البنت ، لأنها أطوع من الولد لأمّها وأحرص على كسب رضاها ، فعليك أيتها الأم ، ترويضها على الطاعة وإرشادها إلى العفة .

ج - أشعري الأولاد بمقام أبيهم :

أيتها الأم الكريمة : أنت وزوجك محوران تدور حولهما حياة الأولاد ، ويتعلق بهما وجودهم في السعادة والشقاء , فعليك أن تشعري أولادك بأهمية محور الأبوّة ، كما كان على الأب أن يشعرهم بمحور الأمومة.
فأكرمي مقام زوجك والتزمي تعظيمه وإحترامه وتكريمه ، ليتسنى له القيام بمسؤوليته في تربيتهم وإرشاد من شذ منهم .
وعليك , كما تريدين أن يكون لك زوجك موضع سرور وبهجة , يملأ الحياة دعة وسلاما , فعليك أن تكوني محور سروره , ومرفأ أمانه وهدوئه .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما استفاد إمرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام , أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها).
وقال الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (لا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها , عن ثلاث خصال , وهي : صيانة نفسها عن كل دنس , حتى يطمئن قلبه إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه , وحياطته ليكون ذلك عاطفا عليها عند زلة تكون منها , وإظهار العشق له بالخلابة والهيئة الحسنة في عينه) .

د - اجتنبي المشاجرة مع زوجك أمام الأولاد :

أيتها الأم الكريمة : فقد يسوء التفاهم بين الزوجين في حال من الأحوال , فعليك – أيتها المرأة المسلمة – أن تتحاشي إعلان المشادّة الكلامية أمام الأولاد ، كما كان على الزوج ذلك .
لأنّ إعلان النزاع يخلق جوّاً من البغضاء والكراهية بينهم ، إذ لا بدّ أن ينحاز بعضهم إلى أحد الأبوين ، بل قد ينعكس على نفسية الأولاد شعوراً بالمخاوف مما يهدد الأسرة من مصير الفرقة والتشتت بين محوريها الرئيسيين , وملجأ وجودهما 0
مضافاً إلى ذلك ما يترتب من أثر الإساءة والكلمات الجارحة على مجرى العلاقة مع الله عز وجل 0
فكما كانت هناك وصايا للزوج في حق الزوجة ، فإن هناك وصايا للزوجة في حق الزوج .
فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً ولا حسنة من عملها حتى ترضيه وإن صامت نهارها وقامت ليلها وأعتقت الرقاب).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيّما امرأة لم ترفق بزوجها ، وحملته على ما لا يقدر عليه وما لا يطيق منها ، لم يقبل منها حسنة وتلقى الله وهو عليها غضبان)

هـ - لا تسرفي في دلال الأولاد :

أيتها الأم الكريمة : إن منهج التربية الأسرية ، يحتاج إلى الحزم والشدة ، المزيجة بالحبّ والحنان ، وبما أنك تتمتعين بطاقة عالية من الحنان والعاطفة تجاه الأولاد .
فقد تؤدّي بك العاطفة المفرطة في حال من الأحوال , إلى الإسراف في دلال الأولاد ، وإلى فقدان عنصر الحزم تجاه العناد الطفولي لديهم , ممّا يؤدّي إلى إخفاء الخلل ، في الوقت الذي يتوجّب عليك إذا شذ بعض الأولاد ، أن تخبري الأب ليقوم بتأديبهم ، وليكفيك ما قد يستعصي عليك إصلاحه .

و- أرشدي الأولاد إلى خط الزمالة الصالحة :

أيتها الأم الكريمة : بما أن الإنسان إجتماعي بالطبع ، لذلك ترين الأولاد وهم براعم في أحضانك المفيئة ، يتطلعون إلى إختيار أصدقائهم , وإلى أن يترعرعوا ويكبروا ، فيكبر في أنفسهم هذا الطبع .
فعليك من أوّل وهلة أن تعلميهم كيف يختارون أصدقاءهم , فإذا ما وقع أحدهم في خط الزمالة الضائعة المبتذلة , فعليك – أيتها الأم – أن تبعديه عن ذلك ، وتحذريه من سلوك أيّة جهة لا تتفق مع الضوابط الدينية والأسرية التي تؤمنين بها .
وكما عليك تحذيره من الزمالة البشريّة المنحرفة ، والموجبة للسقوط في أحضان الفساد الأخلاقي ، فكذلك عليك أن تمنعيه من الأسباب الأخرى الموجبة لسقوط العفة والطهارة ، كالقصص والرّوايات الغراميّة ، والصور الخلاعيّة , وارتياد السينما والملاهي , وغيرها ممّا قد يلتزمه لإملاء الفراغ في حياته .

وختاما – أيتها المرأة الأم – يا معهد التربية الصادق ، ويا مصدر الحنان العابق ، ويا منبع الغذاء النقي .
تقبلي فائق التقدير.. وعذراً عن القصور والتقصير.. إذ لم أستطع أن أجمع لك من الكلمات إلا هذا اليسير , ودمت للأمومة بتسديد المولى العلي القدير .



رساله الاسره

رسالة إلى الابن المسلـم


إليـك أيهــا الإبـن العزيز

أيها الإبن العزيز : بعد أنْ قطعنا شوطاً من الحديث مع والديك ، فقد آن الأوان لأن نوجّه الخطاب إليك ، وندعوك لالتزام الحق والصّواب ، فليتفتح على الموعظة والنصيحة مسمعك ، ولتتلقىّ من الحديث ما ينفعك
فاعلم – ياولدي – أنك في أيّة مرحلة من مراحل عمرك ، محطة فرحة وابتهاج للأسرة ، لأنك عندما ولدت إلى الحياة , فكأنما ولدت بك الحياة من جديد , لتكون للأسرة التي كانت تنتظرك قرة عين ، ونبتة أمل ترتجي أن تؤتي أكلها .
فعليك – ياولدي –أن تشكر الله عزوجل على نعمة الوجود ، وتسأله السلامة في الدّين مع المؤمنين القائمين والرّكع السجود ، لتتقي بالإيمان والعمل الصالح هول يوم الوعيد .

أيها الإبن العزيز : فأعر سمعك لله واستمع لقوله عزوجل : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل : 78 .
فهل يشك أحد في أن حمله وولادته , وخروجه من بطن أمّه ؟ كلا يا ولدي ولكن المعنى هو التأكيد:
أولاً : على نظام الأسرة التي أنت منها ، إذ أنّ ولادة الإنسان من بطن أمّه ، يعني إنتماءه إلى أسرة ، هذه الأسرة التي يفترض أن تكون مهذبة ، لأنها مرضع أخلاقه وآدابه ، إذ هي الميدان الأوّل للتعامل والمعهد الأوّل للتربية .
وإلاّ فإنّ الله عزوجل قادر على أن يخلقك بلا أبوين ، كما خلق أبويك آدم وحواء من قبل .
ثانيا : يذكّرك الله عزوجل بالرّحم الذي حملك , ليتفجّر في نفسك منبع البرّ والوفاء والإحسان لأبويك ، لأنك إذا أعطيت الحق لأبويك ، فسوف تعتاد على إعطاء الحق الاجتماعي .

أيها الإبن العزيز : فعندما تجد نفسك في كل فترة من الزمن تدخل في مرحلة من الإدراك والمعرفة ، بسلامة حواسك ونمو مدركاتك , يكون ذلك أدعى للشكر والثناء على دور أبويك ومعلميك وملهميك رشدك بعد الله عزوجل .
فاعلم – يا ولدي – أن شكرك لله تعالى ولأبويك ، يتمثل في صحّة الانتهاج ، وتوقي الإعوجاج .
فتعال معي لنضع اللمسات على ما ينبغي الإلتفات إليه من خطوط بيانية ، وما يتوّجُها ويغمرها من شواهد ونفحات قرآنية ، آمل أن تتناغم مع مشاعرك ، وتتفاعل مع إحساسك ، وتتعانق مع صفاء قلبك ونقاء فطرتك ، فانك مجبول على حبّ الخير .
أ – إعرف الغاية من خلقك
أيها الإبن العزيز : إعلم أن الله عزوجل لم يخلق السماوات والأرض وجميع ما في الكون والحياة عبثا ولهوا .
قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) الحجر :85
وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) المؤمنون: 116 .
فكل شيء خلق لغاية كما هو المستفاد من ترابط الأسباب والمسببات في هذا الوجود , وحتى أنت –يا ولدي– تستطيع أن تتذكر عندما كنت صغيراً وأنت ترتب لعبك ، وتنظم ما لديك من هوايات ، أنك تعمل ذلك بقصد وغاية كامنة في فطرتك ، هي: الترويح عن نفسك .
فكيف – إذن – بمن خلقك فسواك فعدلك , ثم في أيّ صورة ما شاء ركبك , بهذه الهيئة السويّة التي أنت عليها ؟ فكيف لا تكون هناك غاية وحكمة من وجودك ؟ .
فلا يغيبّن عنك – يا ولدي – أنّ الذي خلقك ووهبك العقل وقدرة التحرّك ، وهيأ لك ما تحتاج لإستمرار حياتك في هذه الأرض ، هو الذي أرسل رسوله لهدايتك , وأنزل عليه القران فيه تبيان لكل شيء من نظام حياتك ، ولتحديد مالك وما عليك من حقوق وواجبات .

ب - راقـب نقطـة بلوغـك التكلـيف

أيها الإبن العزيز : تتلاحق حلقات الزمن وشهوره , وهي تحث الخطى بعمر الإنسان وكل مخلوق إلى نقطة الإنتهاء ، وهي ترسم للإنسان عاقبة حلوة أو مرّة ، وتودعه أخيراً , إمّا في روضة من رياض الجنة , أو في حفرة من حفر النيران .
فما أسرع الساعة في اليوم ، وما أسرع اليوم في الإسبوع ، وما أسرع الإسبوع في الشهر ، وما أسرع الشهر في السنة ، وما أسرع السنة في العمر , وعمر كل إنسان بين هذه الحلقات الزمنية , كسفينة مشرعة عائمة بين أمواج البحر المتلاطمة .
فعليك – يا ولدي – أن توجّه شراع عمرك بالإتجاه الصحيح نحو ساحل الأمان الذي أعده الله لك ، فقال عزوجل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل : 97 .
فاعلم أنك بدأت طفلاً لتكون قبل سن البلوغ صبياً ، وستكون فتىً بعد سن البلوغ وهكذا يرتقي بك الزمن ، لتكون شاباً رشيداً ، ثم كهلاً ناضجاً تمتلك رؤية دقيقة عن الحياة ، وتحمل همومها وقضاياها في واقع الأسرة والمجتمع .

فإعلم – يا ولدي – أنّ كل يوم أو شهر أو سنة تمر عليك في مرحلة صباك ، تقربك من نقطة البلوغ ، التي تعني تحوّلك إلى مرحلة التكليف والمسؤولية عن الواجبات والفروض ، فإذا أكملت الرابعة عشرة من عمرك ، ودخلت في الخامسة عشرة فقد بلغت سن التكليف , ووجب عليك أداء الواجبات والفرائض من الصلاة والصيام وغيرها من الفرائض الإلهية .

ج - إعـرف مسؤوليـة فتـوّتـك

أيها الإبن العزيز : وأنت تودّع من عمرك عهد الطفولة والصبا وتنتقل إلى ميدان التكليف والمسؤولية الإجتماعية ، ميدان الفتوة العاملة الكادحة التي لا بدّ أن تسخرها من أجل دينك ورسالتك .
فعليك – يا ولدي – أن تستلهم من فتوّة الذين سبقوك من السلف الصالح , الذي تمتد جذوره إلى تاريخ الأنبياء والرسل الذين كانت فتوّتهم مصدر الهامٍ للعطاء الرّسالي لحياتك ولحياة كل جيل من أبنائنا المؤمنين 0
فتلك فتوّة إبراهيم (عليه السلام) التي تحدّت طغاة الزمان آنذاك بإرادة صلبة وعزم ثابت ، بات يزعزع عرش النمرود ، ويهدّد قواعد الشرك ، حيث حطم أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله ، فجاءوا عليها وهم في دهشة من أمرهم (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) الأنبياء : 59-60 0
وإلى فتوّة يوسف (عليه السلام) التي تحدّت بعفتها أشراك الرذيلة التي نصبها له الشيطان ، في إمرأة جميلة راودت فتاها عن نفسه قد شغفها حباً ، فكانت فيه الفتوّة المؤمنة التي اجتمعت في طريقها البهارج والمخاوف ، فكانت أرفع من البهارج وأقوى من المخاوف 0
وإلى فتوّة موسى (عليه السلام) الذي ورد ماء مدين فوجد عندها أناساً يسقون , إلاّ امرأتين إعتزلتا هذا الجمع عفة حتى يصدر الرّعاء , فحملته النجدة والمروءة لهذه العفة فاستسقى الفتى للفتاتين ، وانتهى الأمر إلى الإقتران بإحداهما كما في تسلسل القصة 0
وإلى فتوّة روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) هذه الفتوّة التي تكلمت ووحّدت الله عزوجل وهي في المهد ، ورسمت منهجاً أخلاقياً ومثالاً رائعاً من الأدب مع الله عزوجل في الطاعة وأداء الواجب ، ومع الوالدة في البر والإحسان 0
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) مريم: 30-31 0
وإلى الفتية أصحاب الكهف , الذين رفضوا الرضوخ والإستسلام والتعامل مع الحاكم المستبد , وشعروا أنهم على خطر منه ومن ضلاله ، فآووا إلى الكهف هرباً بدينهم ، فقص الله عزوجل نبأهم في كتابه الكريم ، بعد بيان هويتهم الإيمانية: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) الكهف : 13-14 0

أيها الإبن العزيز : هكذا يمجد الله عزوجل الفتوّة المؤمنة ويثني عليها , لأنها المرحلة القمة التي تعتبر محط أمل الأمة في دورها الرسالي ، وذخيرة مستقبلها الذي تنتظره في أبنائها , والرصيد الذي تعلق عليه آمالها , ومستودع الطاقات التي تدخل في عملية البناء الإجتماعي 0
وإن كنا لا نستطيع أن نحصي لك – يا ولدي – دور الفتوة في تاريخ الأنبياء مفصلاً , فيبقى عليك أن تضع التاريخ القريب لرسالتك ، وتقرأ على صفحاته إشراقات الفتوّة المسؤولة الرائدة في أنصار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
حيث بدأت الدعوة الإسلامية بكسب العنصر الفتي من أبناء الأمة, من عمّار بن ياسر, ومصعب بن عمير, وصهيب الرّومي , وبلال الحبشي , وغيرهم ممّن ساهموا في إرساء وبناء قواعد الدّعوة الإسلامية , في الوقت الذي تمرّد على الدّعوة كبار قريش وشيوخها 0
وتمثل عنصر الفتوّة المؤمنة كذلك , في أنصار الإمام علي والحسين (عليهما السلام ) , وليس هذا التأريخ عنك ببعيد , ففي ذلك رصيد لا ينفد وشعاع لا يخمد 0

د - أحسن اختيار الصديق في حياتك
أيها الإبن العزيز : إنك تميل بفطرتك ومنذ صغرك إلى اختيار صديق حياتك ، لأنّ الإنسان يألف ويؤلف ، والصديق لا يقل أهمية عن الأسرة في التأثير عليك , لأنك تحبه كما تحب أسرتك .
ففي مرحلة الطفولة – يا ولدي – يذوب صديقك في والديك ، لأنك تنظره من خلالهما ، ولأن زمالتك تقع تحت نظرهما ، فهما لا يختاران لك إلا من هو صالح لك من الأصدقاء .
أما في مرحلة الفتوّة ، فقد يذوب أبواك في صديقك لأن زمالتك تقع تحت نظرك ، فلا ترى فيها أبويك إلاّ أحياناً ، كما لا يستطيع أبواك أن يعكسا رغبتك في الاختيار.
فعليك – يا ولدي – أن تبني صداقتك على أساس الإيمان والخلق الجميل ، لتنتفع بالصداقة ، وتستثمر الزمالة .
فقد جاء في الحديث الشريف : (المؤمن مرآة المؤمن لأنه يتأمله , ويسد فاقته , ويجمل حالته) , فاختر لصحبتك من (إذا صحبته زانك ، وإذا خدمته صانك ، وإذا أردت منه معونة أعانك ، وإن قلت صدق قولك , وإن صلت شد صولك , وإن مددت يدك بفضل مدّها , وإن بدت عنك ثلمة سدّها ، وإن رأى منك حسنة عدها .....)
إن الصداقة – يا ولدي – مرآة يستكشف من خلالها صلاح الإنسان من عدم صلاحه , لأن المرء على دين خليله , فعلى الإنسان أن ينظر من يخالل , كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إختبروا الناس بإخوانهم) .
أيها الابن العزيز : إياك وصحبة الكاذب ، والأحمق والدنيء ، والفاسق كما جاء في الحديث الشريف: (إياك ومصاحبة الفساق فإنّ الشر بالشر ملحق ووقر الله وأحب أحباءه )
وكان الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) صعد المنبر فقال: (ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة: الماجن ، والأحمق ، والكذاب .
فأما الماجن: فيزين لك فعله ويحب أن تكون مثله ، ولا يعينك على أمر دينك ومعادك ، ومقارنته جفاء وقسوة ، ومدخله ومخرجه عليك عار
وأما الأحمق : فانه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه ، وربما أراد منفعتك فضرك ، فموته خير لك من حياته ، وسكوته خير من نطقه ، وبعدهُ خير من قربه .
وأما الكذاب فإنه لا يهنئك معه عيش , ينقل حديثك وينقل إليك الحديث كلما أفنى أحدوثة مطها بأخرى , حتى أنه يحدث بالصدق فما يصدّق ، ويغري بين الناس بالعداوة ) .
فهؤلاء – يا ولدي – هم أصدقاء النار, وقرناء السوء الذين تنتهي عجلة الصداقة معهم بانتهاء الحياة الدنيا , حيث يتبرأ الذين اُتّبِعوا من الذين اتَّبَعوا وتتقطع بهم الأسباب .
فاصحب من يكون لك ناصحا , ومعينا لك على نفسك .
لأنّ معنى الصديق : من يصدقك في قوله وموقفه ونيته , فمن صدقت معك نيته , وصفت لك مودته , فقد صدق معك قوله , وزكى معك موقفه , وحملك بالنصيحة على الحق , وصدّك بها عن الباطل 0
واصحب – يا ولدي – من لا يوالي لك عدوّا , ولا يعادي لك وليّا , وهذا ما ينسجم مع المقاييس العقلية والموضوعية للعلاقات , إبتداء بالعلاقـة مع الله عزوجل , فقـد قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة : 22 0
وانتهاء بالعلاقات الإنسانية على كافة مستوياتها وسعة رقعتها, كما قال الإمام علي (عليه السلام) : ( أصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة , فأما أصدقاؤك : فصديقك , وصديق صديقك , وعدوّ عدوّك , وأما أعداؤك : فعدوك , وعدوّ صديقك , وصديق عدوّك )0
وعليك – يا ولدي – أن لا تذهب بستر الحياء بينك وبين صديقك , وهو: الحشمة والإحترام , وهو منبع الحب بينك وبين أخيك , فلا ينبغي أن يتمزق هذا الستر بما يهز ويزعزع العلاقة بين الصديقين .
قال الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (إذا أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنه , ولا تمارينه ولا تباهينه , ولا تشارينه) .
أي: إذا أردت أن يبقى هذا الصفو في علاقتك بأخيك , فلا تخدشنه بالمزاح الذي يثقل على نفسه , ولا بالمراء والجدل الذي يؤذيه , ولا بالمباهاة عليه باستعراض ما لديك من مميزات مادية أوجاهية , ولا بالدخول معه في معاملة دنيوية فيها تغالب على المادة .

هـ - أعط والديك حق البر والإحسان :
أيها الإبن العزيز : ما أعظم هذا الحق الذي فرضه الله تعالى لوالديك عليك ,إلىجانب حقه عزوجل فقال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء : 23 .
فقد تنمو ثقافتك – يا ولدي – وترقى في مدارج الكمال الإنساني أو تحضى بالموقع العلمي أو السياسي أو الإجتماعي , فعليك كلما ازددت رقياً في هذه المدارج , أن تزداد تواضعاً لوالديك ، كما يطلب منك التواضع والطاعة لربك عزوجل , لأنك كلما كبرت وارتقيت وتساميت , ازداد أبواك لك حبّاً وبك تعلقاً ، فعليك أنْ تزداد لهما برّاً وإحساناً.
فلا تزدَرِ بوالديك لأنك عالم وهما جاهلان ، ولا تحقرّهما لأنك غني وهما فقيران ، ولا تستخف بهما لأنك سياسي وهما كاسبان , وهكذا فلا تزيدنك المنازل عنهما بُعداً , فابدأهما بالسلام والوصال ، وبادرهما بالتودّد والسؤال , وجازهما بالعطاء والنوال .

أيها الإبن العزيز : لا أدري لو سُئلت: أيّ والديك أحق بالبرّ ماذا سيكون جوابك ؟ فاعلم أنّ أحد الشباب المؤمن سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: (يا رسول الله من أبرّ ؟ قال: أمك ، قال: ثم من ؟ قال: أمك ، قال: ثم من ؟ قال: أباك) .
فهل تعتقد بهذا – يا ولدي – أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفضل الأم في الشرف والمنزلة على الأب ؟ , أو يؤثرها بالإحترام والبرّ دون الأب ؟ كلا ولكن ذلك لسببين :
1- لأنّ استحقاق الوالد من الإحترام أكثر من العاطفة واستحقاق الأم من الحبّ والعاطفة أكثر وذلك لانّ عاطفتها على الولد تبقى فياضة إلى آخر مراحل العمر .
2- لأنّ الولد إذا كبر ونمى عقله ، واشتدّ ساعده ، كان ميله واحترامه للأب أكثر من الأم .

أيها الإبن العزيز : بذلك أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعطي للولد إشارة بليغـة إلى رعاية هـذا الحق ،لأجل أن لا تصل الحالة به إلى هجران الأم والإعراض عنها في كِبَرها إذا ما ملأ قلبه حبّ الزوجة والأولاد فتخلق الفجوة ما بينه وبين أمه .
وأذكر لك – يا ولدي – بالمضمون: أنّ شاباً في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حضره الموت فحضر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده وهو يحتضر ، فقال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله ، فتلجلج لسانه ولم يستطع النطق بها .
فأعادهها (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه ثانياً فلم يستطع النطق بها كذلك , فالتفت رسول الله ، يسأل الحاضرين: ألهذا الشاب والدة ؟
قالوا: بلى يا رسول الله ، فانبرت امرأة كانت جالسة إلى ناحية المجلس ، وقالت: أنا والدته يا رسول الله .
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هل أنت راضية عنه أم ساخطة , فأجابت: أنا ساخطة يا رسول الله .
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أما آن لك أن ترضي عنه ؟ , قالت: نعم لرضاك يا رسول الله .
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إعلمي أني رضيت عنه
قالت: وأنا رضيت عنه يا رسول الله , فأعاد على سمعه الشهادتين فنطق بهما)

أيها الإبن العزيز : فهل علمت كم لرضا الوالدة من أثر على مجرى حياة الولد في كل مراحل عمره ، وإلى أن تنتهي عجلة حياته ؟ ، فإن لرضا الوالدة أثراً في تجاوز نقطة الخطر الأخيرة , وهي: الموت الذي قد خط على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة .
و- إملأ ساعات فراغك بما ينفعك
أيها الابن العزيز : إن للإنسان أربعة أعمار ، عمراً في بطن أمه ، وعمراً بعد وضعه في ساحة الحياة ، وعمراً في البرزخ إلى حين بعثه ، وعمراً إذا بعث بين يدي الله عزوجل ليتخذ فيه القرار ، إمّا إلى جنة وإمّا إلى نار .
ولا شك – يا ولدي – أنك غير مسؤول عن عمرك الأول لأنك في دور التكوين لا تملك إرادة ولا حولا ولا قوة تتحكم فيك مشيئة خالقك في طولك ولونك وهيئة تركيبك .
أما العمر الثاني فهو عمر المسؤولية في الحياة الدنيا ، والذي تسأل عن الجزء الأكبر منه وهو ما بعد بلوغك الخامسة عشرة .
ففي هذا تعتبر مسؤولاً عن كل لحظة وعن كل ساعة من الزمن تمر عليك ، فإما أن تقطعها وإما أن تقطعك , كما جاء في الحكمة القائلة: (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك) .
وإعلم – يا ولدي – أنّ الأمثال والنصوص الواردة في الوقت كثيرة لا أستطيع أن أحصرها لك في هذه الصفحات.
غاية الأمر عليك أن تعلم :
1- أن الوقت أمانة في عنقك وأنت مسؤول عن أداء هذه الأمانة إلى ربك فلا تفرّط فيها فتهمل فيها أمراً أوجبه الله عليك ، ولا تتعدّ عليها فتعمل فيها عملاً حرمه الله عليك .
2- أنّ الوقت كالآنية التي منحت لكل أحد ، ولم يختلف فيها نصيبك عن نصيب العالم المبدع والمخترع ، حيث تطلع الشمس وتغرب على الجميع .

أيها الإبن العزيز : إن من الناس من يملأ هذه الآنية تراباً أو سماً زعافاً ، ومنهم من يملأها ذهباً ودرراً وأحجاراً كريمة ثمينة , ومنهم من يملأها هباءً منثوراً , أو يفرّط فيها فيدعها فارغة .
فاختر – يا ولدي – بماذا تملأ هذه الساعات التي تفضل الله تعالى بها عليك…فإن جالست أهل الفسق والانحراف وزاملت أهل السفه والباطل والإنحراف , فستملأ هذه الآنية إمّا تراباً لا فائدة فيه , وإمّا سمّاً زعافاً قاتلا
وإن جالست أهل العلم والمعرفة ، وتطلعت إلى ثقافة دينك , ومفاهيم رسالتك ، وأخذت من نبع الكتاب الإسلامي ما يغذي فكرك , فقد ملأت آنيتك ذهباً ودرراً ثمينة

فإن عملت لغير خالقك – يا ولدي – فقد ملأت الآنية هباءً منثوراً ، وإن قضيت أوقاتك بالكسل والضجر والقعود هنا وهناك ، فإنك ستمضي بآنيتك إلى ربّك فارغة , فيوقفك ويسألك عن عمرك فيما أفنيته .
ز- إحـذر عوامـل الانحـراف
أيها الابن العزيز : لا بدَّ لك من معرفة خطر الإنحراف على شبابك ، لأن الشباب أرضية مستهدفة لزرع ما يريد المغرضون فيها من مادة الفساد والإنحراف مستغلين فيها حالتين :
الأولى : حالة الفراغ الفكري عند البعض ، هذه الحالة التي يلازمها التطلع إلى الغرس دونما تمييز بين الغرس الصالح و غيره , فهي تقبل كل ما يتأتى لها من غذاء فكري .
الثانية : لأن الشباب طاقة وقوّة , تملك إستعداداً للدفع بأيّ اتجاه من الإتجاهات ولو كان سيئاً , فيمكن أن تستغل من قبل أصحاب السوء لضرب رسالة الأمة نفسها .
فكما تحذر – يا ولدي – خطر الإنحراف ، فعليك أن تحذر عوامله التي تعمل على إشاعته وترويجه في حياتك , وأهم هذه العوامل :
أولا : إنحراف التربية الأسرية ، ففي الوقت الذي جعل الله عزوجل الأسرة المدرسة الأولى , التي تغذي الأبناء بالخلق والمفاهيم الإسلامية العالية .
فإن البيت – يا ولدي – قد يهمل – أحيانا – مسؤوليته بحقك , وينشغل الأبوان بالأعمال الدنيوية , التي تستهلك الوقت وتنتهب الجهود للأمور الجانبية ، التي قد تتسبّب في ضياعك هنا وهناك 0
فإذا لم تقم الأسرة بواجبها بحقك فكن حذراً من وقوعك في شباك المنحرفين ، واقتد بالكثير من أصدقائك , الذين أنقذوا أنفسهم بأنفسهم من أوساط التسيّب والإنحلال الأسري , فأصبحوا أمثلةً مشرقةً للإستقامة والطهر ، قادرةً على تبديد ظلام الأسرة .
ثانيا : قرناء السوء ، إذ أنك – يا ولدي – شاب تتطلع إلى إلفة قرنائك ، وكل قرين بالمقارن يقتدي , فإن لم يكن قرينك من أهل الثقة كانت الكارثة .

أيها الإبن العزيز : وكما هو ملحوظ من قصص المدمنين على المنكرات وأصحاب الجريمة ، حيث ثبت من خلال المتابعة: أنّ ما عليه هؤلاء من الإدمان على المسكرات والعادات السيئة , يعود في الأعم الأغلب إلى علاقات الصداقة والزمالة السيئة ، التي تشكل أهم الأسباب لحرف الشباب وقد أوضحنا لك كيف تختار صديق حياتك .
ثالثا : من العوامل المساعدة على مادّة الفساد والإنحراف ، متابعتك واندماجك مع أفلام العنف والسرقة ، والعري ، والجنس ، التي قد يملأ الشباب منها نهمته الغريزية .
وهي لا تعدو كونها حالة من حالات التلذذ المحدود الذي يعقبه الندم والتشاؤم واليأس ، وبالتالي قد يجد الشاب لذته في التهام المخدّرات ، ليتناسى بها حالة اليأس والعذاب النفسي .
فعليك – يا ولدي – أن تملأ أوقاتك بالهوايات الصالحة والنشاطات النافعة لبدنك وفكرك وسلوكك كما أوضحنا لك .
رابعا : لقد ثبت من خلال دراسات ميدانية لبعض الظواهر المنحرفة التي تصيب بعض الشباب ، وتؤدّي بهم إلى السقوط في أحضان الفساد وشرك الرذيلة ، والإدمان على إحدى مفردات لائحة الأخطار التي سأعرضها أمامك: أنّ العامل المادي – من الغنى أو الفقر – إن لم يجدا توجيهاً روحياً ، وتهذيباً أخلاقياً ، فإنهما سيساهمان في الإنحراف والسقوط مساهمة رئيسية .
فالغني من الشباب ، الذي يجد المال مبذولاً أمامه ، وبلا وازع تربوي أو توجيه أبوي, سيستغرق في خضمّ الشهوات والتصرّف اللا مشروع , كما قال عزوجل: ( كَلاّ إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى) العلق : 6 – 7 .
وفيما أوحى الله عزوجل إلى موسى (عليه السلام): ( يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنب عجلت لي عقوبته)
وكذا الفقير المحروم الذي لا يجد لقمة العيش التي تشبع جوعته ، ولا القطعة التي يواري بها جسده ، ويظهر بها بلياقة مع أقرانه ، سوف يجد في الإنحراف وفي الإدمان على مفردات لائحة الأخطار ، مهربا للتخلص من واقعه ومأساته .
فإذا أدمن احتاج إلى المال ، وإذا احتاج إلى المال سرق ، وإذا توقفت السرقة على القتل قَتَل من يشاء , وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كادَ الفقر أن يكون كفراً) .
خامسا: الفراغ الذي يستهلكه أبناؤنا وشبابنا وهم بعيدون عن المكتبة الإسلامية من ناحية , وعن مراكز التوعية والتوجيه من ناحية أخرى .
فاحذر – يا ولدي – أن تكون بعيدا عن مراكز التوعية الإسلامية , معتمدا على الوسائل المزدوجة كالأنترنيت والفضائيات , التي تلقي إليك الغث والسمين , والسم والعسل في آن واحد .
والأدهى خطرا– يا ولدي– هي: وسائل التمييع , خصوصا على مستوى وسائل الإعلام , التي تتبنى إشاعة الأخلاق السيئة , والقيم الهابطة والبذيلة , وتتاجر بالإنحراف والإباحية , من خلال ما تبثه من أفلام الخلاعة ومشاهد الجنس , وأساليب العنف والجريمة , ومن خلال عرضها لقصص بعض المتشائمين واليائسين , الذين يجدون في المخدرات وسيلة للتخلص من واقع معين .



ح - إحذر لائحة الأخطار التي تهددك
أيها الإبن العزيز : قد تسأ ل: ما هي لائحة الأخطار التي تلوّح بها وتحذر منها؟
فاعلم – يا ولدي – أنّ هذه اللائحة ، هي مجموعة من الآفات الخلقية ، التي تلتهم الشباب المذبذب البائس , وتنتظر الفرصة للنفوذ إلى واقعه والقضاء على مستقبله , ما لم يحترس من تأثير تلك العوامل التي باتت معروفة الخطر عند كافة التربويين ، وهذه اللائحة هي :
1- التدخين . 2- الخمرة . 3- المخدرات . 4- الجنس .
5- العنف . 6- السرقة . 7- البطالة . 8 - الإنتحار .

فاعلم – يا ولدي – أنّ كل واحدة من هذه المفردات كافية في تضييع مستقبل شبابك ، والقضاء على روائع رجولتك المنتظرة ، فكيف لو اجتمعت وأصبحت كلها جزءً من حياتك , وكيف لو أصبحت لها السيطرة على وجودك وسلبت منك إرادتك , وألقت بك إلى سبل المهالك , وكنت عندها أهون هالك ؟؟ .
ولا يسعني سرد كل واحدة من مفردات هذه اللائحة على حدة ، لما يّلزم من التطويل عليك ، لذا أترك أمر المتابعة إليك لتدرس سلبية كل مفردة من هذه المفردات , من خلال قراءتك لآثارها في حياة الشباب .
وكمثال على ذلك ، قد تتصوّر – يا ولدي –أن التدخين الذي يتصدّر هذه اللائحة ، ليس بتلك الدرجة من الخطورة ، بل أهون كل المفردات اليومية في حياة الناس , لأنها عادة أغلب الرجال ، حتى الآباء ، فهو لا يصل إلى حد الجريمة والبشاعة كما في غيره من هذه الأعمال ، ولذلك لم تحرمه الشريعة صريحاً .
أقول: كلا– يا ولدي – إنّ الشريعة الإسلامية نظرت إلى الممارسات التي تستلزم مفسدة ذاتية , فحرّمتها تحريما صريحا , كالخمر والميسر والميتة والدم ولحم الخنزير وما إلى ذلك ممّا نصّت عليه الشريعة 0
أما غير ذلك من الممارسات ، فيعتبر تحريمها تحريماً ثانوياً لما يترتب عليها من أثر ديني أو خلقي أو صحّي أو إجتماعي أو إقتصادي

أيها الإبن العزيز : بما أنّ التدخين هو طريق للوقوع في هذه النتائج , وفي الكثير من الأخطار فيعد – إذن – أخطر المخاطر في هذه اللائحة ، رغم الفوائد الموهومة .
فإذا كنت تتصوّر – يا ولدي – أنّ التدخين عنوان الرّجولة في حياتك ، فاعلم: أنّ هذه الرجولة ستتبدّد مع الدخان المتصاعد في الجو لتذروه الرياح .
وإذا كنت تتصوّر أنّ التدخين سبب للراحة النفسية ، لأن من ينفث حفنة الدخان ينفث معها همومه وآلامه ، فاعلم: أنّ الراحة النفسية إنما تحصل بأساليب حضارية من خلال إستنشاق الهواء الطلق , والقيام بعملية شهيق وزفير لتنقية الرئتين من الهواء الفاسد ، وأهمّها ذكر الله عزوجل : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد : 28
مضافا إلى أنّ الأدلة من الواقع تؤكد , أنّ التدخين يؤدي إلى القلق والعصبية .
وإذا كنت تتصوّر – يا ولدي – : أن التدخين يساعدك على الفهم والإبداع والإنتاج في المجال العلمي ، كما نسمع ذلك من الكثير من شبابنا , فأسألك: هل رأيت الأعم الأغلب من العباقرة والمبدعين هم من المدخنين ؟ .

أيها الإبن العزيز : متى كانت الرجولة ، والراحة النفسية ، والإبداع ، والإستمتاع , وغير ذلك ممّا توحيه السكائر لك ولغيرك , أنه يكمن فيها ؟ .
ليتك – يا ولدي– تفكرت في مكوّنات السكائر التي تمت دراستها ودراسة آثارها الخطرة ، من ( الإسبتين ) و ( الأمونيا) و ( أول أوكسيد الكاربون ) و( النيكوتين) و( القار) وغيرها من المواد المسؤولة عن أمراض السرطان ، والتسبب في الجلطة الدماغية ، والأزمات القلبية ، وتصلب الشرايين ، والتهاب الشعب الهوائية ، والرّبو الشعبي ، وغيرها من الأمراض ؟! .
قل لي: أين سيكون موقع الرّجولة الموهومة من هذه الكوارث القاتلة التي تختزنها لك السكائر ؟ .
فما عليك – يا ولدي – إلا أن تعلم : أن التدخين مفتاح هذه اللائحة الفتاكة , وبذلك يكون أخطر الأخطار , وأترك لك باب التتبع والدراسة لما تحمله هذه اللائحة من الآثار .

ط - إحذر من مصادرة عقيدتك
أيها الابن العزيز : بما أنك ساحة ومحطة تأوي إليها الأفكار والمفاهيم ، وتبذر فيها المعارف والعلوم ، فعليك أن تحذر من أن تكون محطة لأفكار ومفاهيم من خارج حدود عقيدتك ورسالتك التي فطرك الله عزوجل عليها فقال لك: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) الروم : 30 .
فعليك – ياولدي – أن تسعى إلى بناء شخصيتك بعقيدتك , لأنك أنت الشخصية التي تنتظرها الأمة وتتطلع إلى طاقاتها ، فلأجل أن تكون شخصيتك إسلامية , فعليك أن ترسيها على قواعد البناء الثلاث :
الأولى : القاعدة الفكرية ، التي تمثل عقيدتك وثقافتك.
الثانية : القاعدة العاطفية ، التي تمثل حبك وبغضك.
الثالثة : القاعدة السلوكية ، التي تمثل حركتك ومواقفك.

أيها الإبن العزيز : فهذه القواعد من الفكر والعاطفة والسلوك لابد من أن تكون كلها إسلامية ، لأجل تكوين وبناء شخصيتك الإسلامية ، ولأجل صيانة هذه القواعد والمقومات في شخصيتك من الغزو .
فعليك – يا ولدي –أن تكون حذراً ممّا يفد إليك ويحط على روضة شبابك من أفكار وثقافات ومفاهيم ورغبات , قد تتخذ ثوباً , وترتدي جلباباً سياسياً ، أو إقتصادياً أو فنياً ، أو إنسانياً أو ثقافياً .
فلقد جاء شاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب نصيحته , فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): ( إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته , فان يك خيرا ورشدا فاتبعه ، وإن يك غيا فدعه ) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأمور ثلاثة : أمر بان لك رشده فاتبعه ، وأمر بان لك غيّه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليك فرده إلى عالمه) .
فالسوق الاقتصادية – يا ولدي – في أي بلد من بلدان العالم، لا تصدّر إليك بضاعة تجارية أو سلعاً إستهلاكية فحسب , وإنما تصدّر معها صفات مصدّرها واتجاهاته وأفكاره وثقافته، وتصدّر لك إلى جانبها بضاعة أخلاقية ، عبر الدّعايات التي تروّج لهذه البضاعة .
ي - توخ الدقـة في فهـم المصطلحات
أيها الابن العزيز : لعلك تسمع ما يتردّد في وسائل الإعلام المختلفة , والصحافة ، والمؤتمرات , والندوات ، من مصطلحات براقة , أو شعارات شفافة ، فيها من الجاذبية شيء كثير .
ولكن مع ذلك – يا ولدي –عليك أن تتوخى الدّقة في فهمها ، ومعرفة ماذا يحمل لك هذا المصطلح أو ذاك من معنىً ، وهل يلتقي هذا المعنى مع واقع أخلاقك ومفاهيم رسالتك وإليك بعض الأمثلة :
1- فعندما تسمع مصطلح (عصر العلم) تجد أن كلمة العلم أو الحضارة تحمل مضموناً عظيماً من القدسية والشأن ، عليك أن تفهم هذا المضمون من واقع رسالتك ودينك .
لكن هذه الكلمة في مفهوم الذين سلخوها عن شرفها وقدسها ، فقد أصبحت تحمل السم ، إذ أن هناك فرقاً بين العلم الذي يبني للأمة كيانها ووجودها ونهضتها الفكرية والدينية والإجتماعية والإقتصادية ، وبين العلم الذي ينتهي بالأمة إلى حالة من الضياع والدّمار ونسيان العقيدة بالله عزوجل , إذ بقدر ما كان العلم طريقا للوصول إلى معرفة الله عزوجل , أصبح العلم إلهً يعبد ويقدّس من دون الله عند بعض الناس , بحجة أن الدين لم يعطنا ما أعطانا العلم , وأن العبادة والصلاة أخرت ركب تقدمنا للإلتحاق بالعالم المتقدم .
2- وعندما تسمع مصطلح (عصر السرعة) , فإنك تجد هذه الكلمة تحمل مضموناً نافعاً ومثمراً لحياة الأمة ، لأنها تشير إلى القفزات المتسارعة والمتلاحقة في مجالات الإبداع والاختراع ، والتكنولوجيا في جميع ميادين الحياة .
هذه القفزات العلمية والصناعية التي كانت تحتاج إلى عقود من الزمن , باتت تحدث بفواصل زمنية قصيرة جداً .
أما من لم يفهم مضمون هذا المصطلح , فإنه يسيء تطبيقه على غير وجهه , فترى الشاب يقود سيارته بسرعة جنونية , معرّضاً نفسه ومن معه لما يؤسف من الحوادث ، فإذا ما اعترضت عليه لتقدم له النصيحة في هذا التصرف ، أجابك بأننا في (عصر السرعة) .
وإذا أنهى الطالب مطالعة منهجه المدرسي في ظرف دقائق , وطوى كتابه جانبا – سواء فهم أم لم يفهم – واعترضت عليه ، أجابك بأننا في (عصر السرعة) بل قد ترى الشاب يلتهم وجبة الطعام بدقائق دون مضغ جيد فيعرض صحته للعطب تحت شعار (عصر السرعة) .
وهكذا يفتقد شبابنا روح الدقة في العمل والحركة ، تحت هذا الشعار , في الوقت الذي لا تلتقي السرعة دائماً مع عنصر الدقة في العمل .
3- وعندما تسمع – يا ولدي – مصطلح (الحرية) , هذه الكلمة التي تنشدّ إليها النفوس ، وتهفو إليها القلوب المثقلة بأصفاد الأنظمة الظالمة , وبتعسف الطغاة والمستبدّين .
ولكن, هناك من جرّد هذا المصطلح عن الضوابط والقيم والإلتزامات , فقد أصبح البعض من شبابنا المتحضر, يفهم من هذا المصطلح: التحرّر حتى عن القيود والضوابط الأخلاقية ، وأصبحت الحرية تعبيراً عن الإنفلات والفوضى واللاقيـود .
ولكن الحقيقة إنّ هؤلاء لم يستفيدوا من الحريّة إلا العبودية، إذ ليس هناك فرق بين أن يستبدّ بك الحاكم الظالم ، ويخنق أنفاسك ، ويصادر جهودك في خدمة مصالحه وأنانيته ، وبين أن تستبدّ بك الجريمة والفوضى ، والرذيلة على نطاق واسع , وكما عشنا هذه التجربة المريرة , في ظل حاكم أساء لمفهوم الحرية وأجرم بحق عشاقها :

مجـرم مـن سلالة الأمــويين إلى القتل عمـره توّاق
فاتح القلب للرذيلة لكن كله عن هدى الإله انغلاق
عنده الدين والفضيلة قيد والتعـدّي تحـرّر وانعتاق

أيها الابن العزيز : عليك أن تعرف أن الحرية إنما تعني: حرية الفكر في قول الله عزوجل: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) البقرة : 219 .
وتعني: حرية العلم في قوله عزوجل: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْْبَابِ) الزمر : 9 .
وتعني: حرية التعبير في قوله عزوجل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل :125
بل إنها حرية النظام الصالح للحياة، وحرية المسؤولية في هذه الحياة .
هذه الحرية التي تجدها في كتاب الله العزيز بقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) الإنسان : 3 .

أيها الإبن العزيز : إن الحرية بمضمونها الحضاري , هي: التحررّ من أغلال العبودية والتبعية للغير ، مهما كان هذا الغير ، دنياً , أو مالاً , أو جاهاً ، أو سلطاناً أو شهوةً ,أو زميلا , وكما قال الإمام علي (عليه السلام): (أيها الناس إن آدم لم يلد عبداً ولا أمةً وإن الناس كلهم أحرار), ومن جلائل الحكم: (لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك الله حراً) .
فالحرية الحقيقية – يا ولدي – قد ولدت مع إنسانية الإنسان ، وترعرعت في أعماق ذاته ، وتسامت وارتقت مع قيم دينه وأخلاق رسالته .
4- وعندما تسمع – يا ولدي – مصطلح (الثقة بالنفس) وهو من المصطلحات التي تتردد على سمعك من بعض الناس ، والمصنفات ، والأطروحات التربوية فاعلم:
أن الثقة بالنفس عامل من عوامل نهوض الأمة ورقيّها الاجتماعي والسياسي ، وذلك بان يكون دور كل فردٍ من أفراد الأمة دوراً حضارياً في علاج الموقف ، وعلمياً بطولياً مدروساً في اتخاذ القرار.

أيها الإبن العزيز: بهذا المفهوم العلمي والحضاري , نكون – من ناحية – قد خرجنا وإياك من طرف الإعتداد والإستقلال المطلق بالنفس ، وعن الاستخفاف بآراء الآخرين والازدراء بوجهات نظرهم ، مما يؤدي بك إلى ارتجال المواقف والتمرد على أهل العلم والخبرة ، لذلك انصبّت النصوص للتحذير من هذا الموقف .
جاء في غرر الحكم: (الثقة بالنفس من أوثق فرص الشيطان) 0
عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): (المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل) .
ومن ناحية أخرى – نكون – قد ترفعنا وإياك من الشعور بالنقص ، والتصاغر أمام الآخرين ، لان الإنسان الذي يفتقد الثقة بنفسه بالمرة ، فانه يلغي دوره في الحياة بل يلغي وجوده الاجتماعي والثقافي والسياسي ، ويؤدي إلى تخسير الأمة لدوره وإبداعه ونشاطه .
فلذلك – يا ولدي – يحاول طواغيت العصر والمستعمرون أن يكرسوا هذه الحالة في شباب الأمة ، ويخلقوا فيهم عقدة الشعور بالنقص والحاجة إلى الغير والاعتماد عليه فيما يصنعه من فن أو ثقافة ، أو صناعة ، أو اختراع ، أو نظام للحياة ، ويفرضوا عليه لوناً من ألوان التقليد الأعمى في اصغر شؤون الحياة فضلا عن أكبرها .

أيها الإبن العزيز : لذلك ترى أمامك الكثير من شبابنا , الذين راحوا يحاكون هؤلاء المتشدقين بالعناوين والشعارات الزائفة , فيوحون إليهم أنّ التقدم والتحضّر والسعادة , هي بالأزياء والألبسة ، وقصّات الشعر التي أصبح يحاكي بها شبابنا إما مطربا , أو ممثلا , أو رياضيا , أو مغامرا , أو غير ذلك من النماذج التي بات يجتذبنا إليها مظهرها وصيتها وموقعها الإعلامي والفني , وقد لوحظ أخيرا أنّ مداليات وقلائد تحمل صورة الممثلين (مهند ونور) في المسلسل التركي الغرامي الفاضح على صدور فتياتنا وشبابنا .
وهكذا بدأت تدب إلى أوصالنا وتستهوينا المظاهر الأجنبية الغربية , حتى في صنع الأكلات المتبلة على الطريقة الغربية , وغيرها من المظاهر والشكليات , بدلا من أنْ نعتز ونفخر بقيمنا وأصالتنا وأخلاق رسالتنا .
لماذا هذا كله – يا ولدي – إلا لأننا جهلنا واقع هذه الرسالة , وما تمتلك من عنصر الأصالة في الفكر والعقيدة والقدرة على إدارة الحياة , أو قل: بما يتلقاه شبابنا من غذاء فكري ومفاهيم ترفع من شأن أدعياء التقدم والحضارة .
في حين أنّ هؤلاء , أدعياء التقدم والتحضّر أنفسهم , لا يستطيعون أنْ يوفروا السعادة لأنفسهم أو لأسرهم , فضلاً عن توفيرها لغيرهم .
فاعلم – يا ولدي– أنّ رسالتك الإسلامية الخالدة , هي التي منحتك أسس السعادة ، وأعطتك مكانتك في إطار الأمة , ومنحتك حق الهيمنة والشهادة على غيرك من الناس , من خلال المنهج الفكري والعملي الذي رسمته لك .
لذا فإنّ بك وبغيرك من شبابنا المؤمن , تتمثل قوّة الأمة وتتلاحم شرائحها الإجتماعية , وتتلاقح آراؤها ، ويكون لها الموقع القيادي المميّز على سائر الأمم .
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) البقرة : 143 .
ك - أعرف حقك بين الجدية والترفيه
أيها الإبن العزيز : ينبغي أن تعرف معنى الجدّية في الحياة ، فهي تعني: كون الإنسان واقعياً صارماً في شؤون الحياة يتحرى ما ينفعه ، وأن تعرف معنى الترفيه ، إذ يعني: كون الإنسان رومانسياً ، مستغرقاً في الأحلام والأنس البعيد عن ضغوط الحياة ، ومسؤولياتها وقسوتها .
فالسؤال – يا ولدي – : ما هو حقك من هذا وذاك ؟ فهل هذا الحق مزدوج من الأمرين ، أم لا بد من توفير جانب دون آخر ؟ .

أيها الإبن العزيز : فقد يجيبك البعض: نعم يجب أن تكون دائماً جدّياً في كل شيء , في تفكيرك وسلوكك وتعاملك مع كافة شؤون الحياة وقضاياها .
ولكن – يا ولدي – بنظرة أدق أقول لك: إعلم أن الجدّية والواقعية تعني: التعايش مع القضايا الهامة ودراستها ، وأداء المسؤولية في حدودها ، وليس من الضروري – بل لا أعتقد – أنّ باستطاعة الإنسان أن يعيش كل وقته للمسؤولية ، أو يتفرّغ لكلّ قضايا الأمة والعالم .
وحتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) , فانه لما عاش لقضايا الأمة والرسالة الهامة , وتعايش مع هموم الناس , تحت قسوة ومرارة الحياة وآلامها ، وعندما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتألم , ويتوجع للواقـع المنحرف للبشرية .
فقد خاطبه الله عزوجل بشتى أنواع الخطابات , لتسليته وإزالة هموم المسؤولية المتراكمة المطبقة على نفسه , فقال تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) الكهف : 6
وقال تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى) طه : 1- 2
وقال تعالى: (فإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) فاطر : 8 .

أيها الإبن العزيز : إعلم كما أنك بحاجة إلى تنفس متعة الحياة بالإبتعاد –بعض الوقت – عن قسوة المسؤولية , فأنت كذلك بحاجة إلى دوام الشعور بالمسؤولية والتحسس لشؤون الحياة وقضاياها الهامة ، واحذر من اللامبالاة على مستوى التعامل مع الله عزوجل ومع الرسالة ، أو التعامل مع الناس والعلائق الإجتماعية ، أو التعامل مع الطبيعة ، أو مع التاريخ أو العلم أو الفن ، وغيرها من شؤون الحياة .
إن الشعور بالمسؤولية – يا ولدي – يثري شخصيتك بالنضوج , ويهبك القدرة على تحمل العناءآت ، ويخرجك من الضجر والكسل , كما جاء في الحديث الشريف: (إياك والكسل والضجر , فإنهما مفتاح كل شر , من كسل لم يؤد حقا, ومن ضجر لم يصبر على حق) .
هذا الشعور , هو استجابة لإرادة الله عزوجل في خلقه , وتلبية للعقيدة والفكرة التي تؤمن بها , لتحوّلها إلى سلوك باتجاه المصلحة الإسلامية العامة ، لا في حدود رقعتك الجغرافية التي أنت فيها ، بل في نطاق العالم أينما كانت قضايا ومشاكل الأمة ، ومعاناة أخيك المسلم .
والشاهد على ذلك – يا ولدي – هذا المثل الرائع للتحسس والشعور , الذي يطرحه لك الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في تألمه لمعاناة الناس على أبعد نقاط الأرض حيث يقول: (ولعل في اليمامة أو الحجاز من لا عهد له بالشبع ولا طمع له بالقوت) .

خصوصاً وأن مرحلة الشباب هي مرحلة الأنس والإنطلاق , لذا فإني سأرجعك في هذا الحق إلى قاعدة اللا إفراط ولا تفريط ، التي عليك أن تطبقها على هذا وذاك من شؤون حياتك كلها 0
فعليك – يا ولدي – من أجل الحفاظ على منهجك المسؤول , أن تلتزم في خط الترفيه والترويح ثلاثة ضوابط :
الأول: ضابط النزاهة والتجرد عن المداخلات المحرّمة في شريعتك , فعليك أن لا تفتقد هويتك وثقافتك والتزاماتك الدينية ، ولا تخترق الحدود , ولا تهدم الحواجز بينك وبين ما هو مرفوض في رأي رسالتك .
الثاني: ضابط الوقت ، فعليك أن تحترم هذا الضابط , ولا تستغرق تمام الوقت في التحليق بعيدا في هذه الأجواء المرحة الملذّة ، ولا تهمل مسؤولياتك الدينية والإجتماعية الهامة .
الثالث: ضابط النقد والتوجيه ، انطلاقاً من مسؤوليتك , أي:عليك أن تعلن صوت الرفض , ومادة الحكم النهائي على أيّ من المشاهدات التي لا تنسجم مع مبادئ رسالتك ، على ضوء ما تملك من قاعدة فكرية وأخلاقية , لأنك قد لا تجلس وحدك أمام هذه المشاهدات ، بل هناك الأب , والأم , أو الأخوة والأخوات , أو الأصدقاء .
فكل هؤلاء يحتاجون إلى ملاحظتك , فعليك أن تسمعهم صوت الرفض , وقرار الحكم النهائي بحق كل ما هو شاذ عن الثوابت الإسلامية والأخلاقية , لأجل أن لا يكونوا هم في أسر هذا الشذوذ .

ل – لا تعارض بين المسؤولية والترفيه
أيها الابن العزيز : من خلال هذا العرض , لا ينبغي أن تستشعر التعارض بين المسؤولية وبين الترفيه ، فيجرك هذا إلى التزام طرف دون آخر ، كما أوضحت لك .
بل تستطيع أن تطبق الضوابط الثلاثة المتقدمة في طريق المزج بين هذين الحقين في موقع واحد .
فعندما تجلس أمام الشاشة المرئية التي لديك ، خصوصاً التلفاز الذي لم يقتصر على بث المحطات الأرضية المحلية بل أصبح ينقل لك ما تشاء من الأقراص الليزرية ، أو عبر الأقمار الصناعية كذلك ويجعلك تتعايش مع أبعد نقطة من نقاط الأرض .
فالمطلوب منك – يا ولدي – أن لا تدع جهاز (الرموت كنترو) هو الذي يتحكم في انتقاء المشاهد ، ويقودك إلى الإختيار , وإنما عليك أن تحكم ذوقك وتربيتك وثقافتك الدينية والاجتماعية من ناحية .
ومن ناحية أخرى : عليك أن تراعي ضابط الوقت فلا تسرح في قضاء الساعات الطويلة حتى تغفو على الشاشة ، فلم تستيقظ إلا بعد طلوع شمس اليوم الثاني ، مما يسبب الاختلال في برنامج حياتك الروحي , ونظامها العملي والاجتماعي والغذائي والصحي ، وهي الكارثة التي أصيب بها شبابنا في الوقت الحاضر.
إذ لم يستطع أن يوفق بين مسؤوليته في الحياة وبين حقه في الترويح عن نفسه .

أيها الإبن العزيز : وعندما تخرج في نزهة مع زملائك إلى حديقة أو متنزه أو ملعب أو مسرح , فانك ستلتقي بالكثير من الناس ، وسيقع نظرك على الكثير من مشاهد الخلاعة والشذوذ ، ويستقبل سمعك الكثير من الأصوات والأنغام والكلمات .
فأنت – يا ولدي – غير مسؤول عما وقع عليه نظرك أو أستقبله سمعك ، إن صرفت نفسك وقلبك عنه ، فان قلبك وعقلك هما المحوران اللذان تدور عليهما المسؤولية , فلتكن سياحتك في الأرض للعبرة ومتعة للفكر ، وأداء النصيحة .
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج : 46 .
فلا تدع قلبك – يا ولدي – يعمى عن العبرة والتفكر في خلق الله عزوجل , وينفتح على مواقع الإغراء المحرّمة ، وتستهويه حبائل الشيطان ..
ولا تدع الساعة تلو الساعة تمر عليك وأنت تسرح هنا وهناك , وتنقل الخطى من مشهد إلى مشهد , حتى يمضي من الليل والنهار أكثرهما ، فترجع تعباً منهكا , فتضيع منك ساعات مهمة أخرى .
فأعرف – يا ولدي – أن الترفيه المنضبط , لا يعتبر هروباً من مسؤوليات الحياة ، وإنما هو وسيلة للإستعداد لمواجهة ضغوط الحياة وأتعابها التي تستجد في طريق أداء المسؤولية .

أيها الإبن العزيز : وعندما تمارس لعبة من الألعاب الرياضية أو الفنية فعليك أن تراعي فيها الضوابط الثلاثة المتقدمة .
فهناك من الألعاب المسلية التي استحدثت لها أدوات ، وهي بعد لم تتجذر أصولها وأدواتها في القمار ، كالأتاري والبليارد ، وحتى كرة القدم والسلة والمنضدة , فهي غير ممنوعة شرعاً ما لم يدخلها (الرهن) وهو تغريم أحد الطرفين اللاعبين مادة معينة .
وهناك الأدوات التي تجذرت أصولها في القمار منذ القدم كالدوملة ، والطاولي ، والزار ، والشطرنج في رأي المشهور ، فان اللعب بها محرّم شرعاً برهن أو بدونه .
ولعلك تسأل – يا ولدي – ما الفرق بين هذا وذاك ، وكلها أدوات للعب ؟
أقول لك: أن هذا جزء من مسؤوليتك أمام التاريخ ، فإن الأعمال والظواهر المتجذرة في عمق التاريخ تقع تحت مسؤوليتك ، فإنها إما أن تكون إيجابية تربوية فعليك أن تستفيد منها وتلتزمها , وإما أن تكون سلبية فعليك أن تحاكمها وتصدر عليها قرارك بالرفض ، لأن مؤسسها طاغٍ أو متجبرّ أو متهتك .
فحرمها دينك بالنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة : 90
والميسر هو القمار بعينه ، والذي راجت أدواته في تلك المجتمعات .


م - خاتمة المطاف معك يا ولدي
أيها الإبن العزيز : كنت المحطة الثالثة التي جرى عليها التطواف في مؤسسة الأسرة المسلمة ، ومن خلال الخطوط البيانية التي بيننا وبين أعضاء الأسرة المكرمين .
بقي أن اختم المطاف معك – يا ولدي – في رحاب القران والعترة ، الذين يمثل كل واحد منهما منهلاً صافياً يروي ظمأ الأسرة ، ومنهجاً صادقاً يترسمه كل فردٍ منها في نظام التعامل والعشرة .
فلنهرع وإياك إلى هذين النبعين الصافيين الذين خلفهما فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض , إنظروا كيف تخلفوني فيهما) .

أيها الإبن العزيز : وإن كان هذا خطاباً لكيان وهرم الأمة ، ولكن لا يبتني هذا الكيان , ولا يثبت الهرم إلاّ على قواعده وأوتاده المتينة , وهم أعضاء الأسرة المسلمة ، التي يتوجب عليها أن تثبت صدق انتمائها لهذين الثقلين العظيمين الكتاب والعترة الطاهرة ، وذلك من خلال التعاهد الدائم :


أولا : التعاهد لمدرسة القران الكريم :

أيها الإبن العزيز : تعاهد تلاوةً وحفظاً وفهماً واستيعاباً لمضامينه ومفاهيمه ، لأن القران رسالة الله عزوجل إليك , والرسالة تحكي شخصية المرسل ، أرأيت لو أتتك رسالة من صديق عزيز على قلبك ؟ ألا تحتضنها وتقبلها وتتلهف لقراءة ما فيها , لأنك ترى فيها شخصية صديقك ؟
فإن من المؤسف – يا ولدي – أن نرى القرآن مهجوراً في أسرنا المسلمة ، وهو الذي لو أنزل على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله تعالى .
قال الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (لقد تجلى الله للخلق في كلامه ولكنهم لا يبصرون) وكلنا نعلم أن كتاب الشخص يمثل شخصيته .

أيها الإبن العزيز : فالقران هو الصديق الذي لا يخدعك ، والهادي الذي لا يضلك ، والأمين الذي لا يخونك ، ودليلك على الخير ، وقائدك إلى الجنة .
فلو قرأت من القران كل يوم عشر آيات لتضعها على أدواء الواقع بتفكر ، خير لك من أن تختم القران في الشهر مرة أو مرتين 0
ولو انتقيت الآيات التي تمس بحياتك , وتناغم زوايا نفسك لكان أجدى من أن تقرأ القران متسلسلاً .
لأن القران كالبستان الذي فيه من كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، ومن كل عنصر غذائي تحتاجه الحياة فهو بدرجة واحدة من الأهمية ، ولكن في كل يوم تأخذ من أي غصن ثمرة تلذ إلى نفسك .


ثانيا : التعاهد لمدرسة أهل البيت (عليه السلام) :

 أيها الإبن العزيز : عليك أن تلتزم حياتهم دراسةً واستنتاجاً واستيعاباً لمضامين ومعاني تاريخهم اللامع .
فان من المؤسف - خلال الحقبة الزمنية الغابرة - خلقت الفجوة بين الأسرة المسلمة وبين أبطال وقادة التاريخ ورواد حضارة الإسلام ، ومنبع أخلاق الأمة .
فعلينا – يا ولدي – بإعادة النظر في علومنا المستفادة ، وفي ثقافتنا وأخلاقنا المكتسبة ، هل لها ما يؤيدها وهل لها ما يضفي عليها الشرعية والقبول من فكر المعصومين (عليه السلام) وثقافتهم ؟ .
وهل حفظنا حديثاً أو نصاً أو حكمةً من حكمهم ونصوصهم ؟ لنرى هل صحيح أنهم أهملوا هذا الواقع ولم يتعايشوا معه ، ولم يقدّموا لأدوائه وعاهاته علاجاً حتى نلجأ إلى هذا أو ذاك من المصلحين الاجتماعيين ، أو العلماء النفسانيين ، أو المشرّعين للقوانين والنظم الأخلاقية ؟ .
فأينك عن حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القائل: (ما أعلم من عمل يقربكم من الله إلاّ وقد أمرتكم به ، وما أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلاّ وقد نهيتكم عنه) .
فهو – يا ولدي – طبيب هذه الأمة ، وربان سفينتها إلى شاطئ الأمن والسلام ، ومنقذها من الهلكة والضياع ، والذي كان يشخص الداء قبل وقوعه ، ويعطي له العلاج قبل ولوعه .
وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم ، وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا لا يريدون بها ما عند ربهم ، يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف ، يعمّهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم) .
قال الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحق ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهُدى عند الضلال) .
أيها الإبن العزيز : من خلال هذا وأمثاله, ممّا ورد في السنّة المطهرة لأهل البيت (عليهم السلام) التي حفلت ببيان واقع الأمة , سوف تعرف مدى عمق تعايش المعصومين (عليهم السلام) مع قضاياك على أبعد نقطة من وجودك .
كما تعرف أنهم (عليهم السلام) ما كانوا يفكرون بأنفسهم ، وما كانوا يعيشون لذواتهم ومصالحهم , وإنّما خلقوا ليعيشوا آمالك وآلامك .
وهذا من أعظم الأدلة على أن القادة المعصومين (عليهم السلام) هم الأقدر على قيادة الحياة والتعامل مع مشاكلها ، لأن دراسة الواقع على أبعد مدياته من صفات رجل السياسة في الأمة .
فإذا كان الرجل السياسي , يستطيع أن يتنبأ بوقوع الحدث وأسبابه قبل زمن من وقوعه , فإن هؤلاء القادة المعصومين (عليهم السلام) ينطقون بوحي رسالتهم وإلهامها بما وهبهم الله عزَّوجلَّ من عمق البصيرة ووضوح الرؤية على أبعد مديات وجود الأمة من ناحية .
ومن ناحية أخرى – يا ولدي – يدل ذلك على أن الرسالة التي يحملونها ويبلغونها هي الرسالة الكاملة الشاملة الصالحة للحياة , لأنها لم تهمل جانباً من جوانب الحياة إلاّ وضعت له ما يناسبُه من الأحكام والحلول , إذ أن (ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم) في الكتاب والعترة .
فأستقراؤك لهذه النصوص – يا ولدي – يضعك على جانب عظيم من الحذر ، ويشعرك بضرورة اللجوء إلى جوهر الرسالة ومراجعة نفسك , وإصلاح أمرك على ضوئها .
أعاننا الله وإياك على أنفسنا كما أعان الصالحين على أنفسهم , ووفقنا وإياك لصالح الأعمال والصواب في الفعال , وقل: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصّالحين .
رساله الاسره


رسالة إلى البنت المسلمة

إليك يا ابنتي العزيزة

إبنتي العزيزة: بعد الانتهاء من الحديث مع شقيقك , بما تيسر لنا معه من الحديث , إذ لا نهاية للحديث لان في الحياة مستجدات وظواهر متنوعة , تولد بين حين وآخر , ومع كل جيل وفي كل أسرة.
فقد آن الأوان – يا إبنتي – أن أفتح الحديث معك في جلسة أحاول أن تكون قصيرة نافعة , إذ كان الحديث مع أمك ومع أخيك أغلبه في أمور مشتركة تهم كافة أعضاء المؤسسة الأسرية.
ولكن بقي أن المح إلى ما يهمك في صباك وشبابك , وما يحقق مطامحك في بناء مستقبلك الدّيني والاجتماعي , وما يحقق آمال الأمّة والدين , من خلالك يا محبوبة الرسالة في محبّة أبيك وبره لك .

إبنتي العزيزة: لو سألني سائل: من تحب؟ أقل له: أحب إبنتي.. ثم من تحب؟ , أقل له: أحب إبنتي... ثم من تحب؟ , أقل له: أحب ولدي.. لماذا يا إبنتي؟.
الجواب: لأني أريد أن أتحدّى فيك الذين ظلموك وتنكّروا لوجودك في المجتمع , فأصبحت اليوم تحملين هموم الماضي والحاضر , وترمقين الرحمة في كل مكان , فخذيها من أبيك الذي عرف قدرك في دينه ورسالته.
(بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإبنةٍ فنظر في وجوه القوم , فرأى الكراهية فيهم , فقال: (ما بالكم؟ ريحانة أشمّها ورزقها على الله عزوجل).
وعن حذيفة اليماني , قال: قال (صلى الله عليه وآله وسلم ): (خير أولادكم البنات).

أنتِ ومأساة الماضي

إبنتي العزيزة: لقد كنت أتفرس في ماضي وجودك , وأستطلع التاريخ الذي كنت تولدين فيه , والأسرة التي تتلقاك حين تقبلين عليها ضيفة جديدة من عالم الأرحام إلى عالم الحياة الدنيا.
فما كنت أرى في ماضي وجودك البائس , إلا المأساة على الإنسانية والحياة , وما كنت أقرأ في وجه الأسرة التي تفدين إليها – خصوصا الأب الذي يتلقاك – ما كنت أقرأ إلا الحزن منك لا الحزن عليك.
(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) النحل: 58-95.
ومن الشواهد التي تشير إلى عمق هذه المأساة الإنسانية ما تذكره السيرة النبوية الشريفة:
(إن قيس بن عاصم التميمي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية , فقال (صلى الله عليه وآله وسلم ): فاعتق عن كل واحدة رقبة , قال: إني صاحب إبل , قال (صلى الله عليه وآله وسلم ): فاهد إلى من شئت عن كل واحدة بدنة).
وما كنت أقرأ – يا إبنتي – في التاريخ الذي كنت تولدين فيه إلا الظلم والتعسف والبغي عليك , بقتل طفولتك البريئة الناصعة .
حتى جاء القرآن الكريم , ليلعن ويحقّر ذلك التاريخ الجاهلي الظالم , ويقرّع من أساء إليك فيه وأنت صغيرة في أحضان المهد.
قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة:51.
وقال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) التكوير: 8 – 9.
وأخذ يؤسّس لك تاريخا , ويصنع لك وجودا , ويرفع لك مكانا وقدرا بين براعم الطفولة اليانعة , التي تغتذي حب الله عزوجل من حب الأبوين , وتتحرّى طاعته في طاعتهما , ورضاه في رضاهما.
وما أروع ما ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث قال: (النساء شقائق الرجال).
ويسمى الشقيق شقيقا , لأنه جزء من شيء انشق إلى نصفين , والحديث فيه دلالة على أهمية موقعك – يا ابنتي – في وجود الأمة , ومشاطرتك الرجل في حمل المسؤولية.

من وأد الجاهلية إلى وأد الحضارة

إبنتي العزيزة: فلقد خرجت من وأد الماضي البئيس الذي يعني قتل طفولة البنت ودفنها حية دون رحمة , إلى وأد الحاضر – يا إبنتي – الذي يعني قتل معاني وقيم البنت ودفن براءتها تحت ظل الحضارة والتطور الثقافي.
ولعلك تعلمين ما أعلم , من معنى الحضارة , أنها تعني: الخروج من العالم البدائي إلى العالم المتطور في أنماط الحياة وأشكالها تبعا للنمو الفكري

إبنتي العزيزة: الانتقال من بيت الشعر (الخيمة) وبيت القصب والبردي إلى بيت الآجر قفزة حضارية , والانتقال من الريف إلى المدينة التي تتوفر فيها وسائل الراحة والترفيه , هي قفزة حضارية كذلك , كما أن الانتقال بوسائل النقل والمواصلات من الدابة والبعير , إلى السيارة والطائرة قفزة حضارية.
وهكذا كل أشكال التطور في وسائل الخدمة الإنسانية من الوسائل البدائية إلى الوسائل المتطوّرة , التي توفر لنا جهدا وتقتصر لنا الزمن , حتى طريقة تلقيك الدرس ووسيلة فهمه واستيعابه كلها قفزات حضارية.
وما يدرينا – يا إبنتي – بعد الذي عرفناه وألفناه من قفزات وتحوّّّّّّلات في شتى الميادين , إلى أين ستصل عجلة التحضر في هذا العالم؟ .
ثم إلى أيّ حد ستبلغ بنا المفارقة بين النمو الحضاري وبين القيم والمبادئ التي جاءت بها رسالتنا؟ .

ما الذي تغير من هذه الحياة؟

إبنتي العزيزة: يبقى عليّ أن اسأل: ماذا تظنين أنه يتطوّر من هذه الحياة؟ هل هو شكل الحياة ومظهرها أم معانيها ومضامينها ومبادؤها ومسلماتها؟ .
فلا شك في أن يكون الجوا: إنّ هذا التطوّر والتغيّر, إنما هو في شكل الحياة ومظهرها الخارجي لا غـير.
أما المعاني والمضامين والمسلّمات والقيم لكلّ أمّة ولكلّ تاريخ – سلبية كانت أم إيجابية – فإنها ثابتة لا تتغيّر , وذلك لإعتزاز كلّ أمّة بهوّيتها وقيمها ومضامين رسالتها .
فحتى هؤلاء الذين طوّروا لنا شكل الحياة , وحتى الماركسيون الذين يخضعون الحياة كلها , بما فيها الفكر والعاطفة للحركة الديالكتيكية , ولنظريّة العامل الواحد وهو: العامل الإقتصادي , ويقولون بتطوّر الفكر , وتغير نمط التفكير وطريقته وفقا لحركة المادة.
فقد بقيت – يا إبنتي – لدى هؤلاء فلسفاتهم وعقائدهم وأفكارهم وثقافاتهم , وهم يخشون عليها كما يخشون على أنفسهم وكراماتهم.
فلا يزال الهندوس يعبدون البقر , ولا يزال النصارى يقولون: إن الله ثالث ثلاثة , ولا يزال اليهود يقولون: عزير بن الله , أو أنهم شعب الله المختار , وهكذا فإنهم لم تتغير عقائدهم تبعا لتغير شكل الحياة عندهم.
بينما نحن – يا إبنتي– أولى بالثبات على خطنا , والإعتزاز بعقيدتنا وثقافتنا , كما جاء في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) :
(إن المؤمن أعزمن الجبل , إنّ الجبل يستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه شيء).

تصدير الإباحية مع الحضارة

إبنتي العزيزة: إنّ ما نقرأه وما نعرفه عندهم من الإباحية واللا ضوابط , ومن الإنفلات عن القيم والقوانين والمبادئ التي يؤمنون بها , قد يثير لديك سؤالا: لماذا يحدث ذلك؟ أقول: إنما يحدث:
1- من خلال فتح باب الحريّة المطلقة للفتاة , والتي لا تهذيب معها مع التقدم الحضاري.
2- لأن القوانين التي يؤمن بها أولئك ويطبقونها على شعوبهم , غير قادرة على تربية الشعور بالمسؤولية الأخلاقية من واقع الذات تجاه هذه الحرية.
أما شبابنا وفتياتنا الذين يركضون وراء هذه الحريّة الإباحيّة , ويصفقون لها ويرقصون , فهم إمّا أن يكونوا أغبياء لا يفرقون بين الحريّة والإنفلات , فتخدعهم الشعارات , وتجتذبهم المصطلحات , وإمّا أن يكونوا يريدون حريّة بلا ضوابط ولا حدود.
إنّ الحريّة الحقيقية – يا إبنتي – هي أنْ تتوفر للإنسان الفرص المناسبة لتنمية مواهبه وإستعداداته , واستثمار كفاءاته لخدمة المجتمع الإنساني من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أنْ تتوفر للإنسان حريّة التعبير عن خبايا صدره , وكوامن نفسه , وأن يختار عقيدته وولاءه بملء إرادته بعد أن يتبين له الحق من الباطل , ليتكامل ويرتقي في ظل هذا الإختيار.

إبنتي العزيزة: إن الأهم من ذلك أنْ تعرفي أنّ لدى أولئك المتحضّرين نزعة تسعى إلى توريط المجتمعات الإسلامية في هذه الإباحية بإسم الحرية , لسلخ المجتمع المسلم عن ثقافته وأخلاقه وقيم رسالته.
(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) البقرة: 109 .
فيدعو أولئك حسدهم إلى حجب العقل الإسلامي عن الوصول إلى صنع حضارته , وعن الإستفادة منها في تطوير الحياة , وشلّ حركته عن الإبداع , لإيصال المجتمع إلى الحضيض الذي وصلوا إليه.
جاء في كتاب (العفاف بين السلب والإيجاب) للشيخ محمد أمين زين الدين (قدس سره) , نقلا عن كتاب (الحجاب) للأستاذ أبي الأعلى المودودي ص:94 , في حديثه عن العالم الإجتماعي الفرنسي (بول بيورو) قوله:
(قد عاد من الهيّن المعتاد في (برغندي) و (بون) , وغيرهما من الأقاليم , أن تكون الفتاة قد عاشرت عدة من الأخدان قبل زفافها , ثم لا تجد في نفسها حرجا من حكاية قصة حياتها الماضية لخاطبها عند الزواج , وكل هذا الفجور منها لا يثير سخطا أو كراهية حتى في أقاربها الأدنين , بل هم يخوضون في أحاديث غرامها بانبساط , كأني بهم يتحدثون عن لعبة رياضية , أو شغل تجاري .
وإذا كان موعد النكاح , ودخل الزوج الذي يكون عارفا – لا بحياة عروسه السابقة فحسب – بل بحياة أخدانها الذين قد بقوا يتمتعون بجسدها إلى تلك الآونة أيضا , فإنه يحاول جهده ألا يبدو منه ما يوهم الناس أنّ بنفسه كدرا في شيء مما يعلم من مشاغل عروسه الماضية... إنتهى) العفاف بين السلب والإيجاب: ص63 – 64.
ونقل الشيخ (قدس سره) عن كتاب تأريخ الفحشاء للكاتب الإنكليزي (جورج رائيلي اسكات) قوله:
(ولا تزال تكثر النساء اللاتي يزاولن العلاقات الجنسية قبل الزواج من غير ما تحرج , وفي حكم النادر والشاذ وجود الأبكار اللاتي يكن – في الحقيقة والواقع – أبكارا عندما يعقدون النكاح , عقد الوفاء الأبدي أمام منبر الكنيسة) .
(ويذكر الكاتب الأسباب التي أفضت بأحوال المجتمع إلى هذا الحد , فيعد من هذه الأسباب: الولوع الفاحش بالتبرج الذي قد بعث في نفس كل فتاة أشد الحرص على الأزياء الفاتنة الغالية من أحدث الطرز , ثم حرية النساء الحرية المطلقة , فقد بلغ من ضعف رعاية الآباء ورقابتهم لبناتهم أن قد تهيأ لهن من الحرية والإنطلاق ما لم يكن ميسورا حتى للأبناء قبل ثلاثين أو أربعين عاما ..) نفس المصدر: ص 64 .

إبنتي العزيزة: إنّ الذين يرفعون شعار الحرية للفتاة , هم الذين لم يؤمنوا إلا بالفلسفة المادية , التي تهدف إلى تجريد الإنسان المسلم عن كل أخلاقه وقيمه الفطرية , ليصبح الخروج عن كل الحدود والضوابط الإجتماعية والإسلامية أمرا هينا لديه.
فأين جدوى تلك النداءات التي ترفع هنا وهناك , مطالبة بتحرير المرأة؟ فقد جعلوا ذلك مبدأ شاملا ومقياسا لكل معالم السلوك الأنثوي , وهم يريدون من المجتمعات الإسلامية أن تتماشى معهم .
فما أحرى أولئك لو أرادوا بهذا الشعار تحرير بناتنا وفتياتنا من ربقة الجهل والأمية , والخرافات والعادات الزائفة , ومن الثقافات الوضيعة والحضارات المريضة , التي تفرضها النظرية المادية؟ .

إبنتي العزيزة: إنّ الذي أصبح يسري إلينا ويدب في أوساطنا , هو ما علق بأذيال هذه الحضارة من مظاهر التميع والتحلل الأخلاقي.
فقد أصبحت النفوس مشدودة إلى مظاهر الانحراف لدى الكثير من شبابنا وفتياتنا أكثر مما هي مشدودة إلى تقنية الحياة والإبداع فيها , ولم يستفد العقل من مظاهر الحضارة والتقدم التكنلوجي.
لذا – يا إبنتي – فقد بقي أولئك على خبراتهم الحضارية , وقفزاتهم الصناعية , وعلى سلامة اقتصادهم , وبقينا نراوح في مكاننا , وأصبحنا لهم بلدا إستهلاكيا لصناعاتهم وثقافاتهم وأخلاقهم .
في الوقت الذي – هم أنفسهم – يعدّون التأثير على أفكارهم وثقافتهم حربا خطرة على وجودهم .

إبنتي العزيزة: هل تعلمين أن شخصيات في فرنسا نفسها كانت تتوجس من هذه الحرب كما ورد ذلك على لسان مفكريها وساستها , حيث كتب (هنري غوبار) كتابه (الحرب الثقافية) وهو يقول:
(هذه الحرب أخطر وألعن من الحرب الساخنة , لأنّ الأخيرة تعبّئ الجماهير, بينما الأولى تشل الإرادات , حيث تتسلل بمكر , وتدريجيا وتدق بمطرقتها بإلحاح واستمرار على الأذهان والعقول والأذواق فتسمعها , ليصبح المرء عبدا لقيم وأخلاقيات مستوردة غريبة) .
وفي تشرين الأول عام 1989 – يا ابنتي – شهدت باريس إجتماعا لخبراء ومتخصصين في الإعلام , وهم يبحثون كيف يضعون حدا للتدفق الثقافي الأمريكي الذي ينهمر من خلال الشبكات الفرنسية.
وقد شارك في هذا الاجتماع الرئيس (فرانسوا ميتران) بكلمة أبدى فيها خشيته على الهوية الفرنسية والأوربية , فقال: أنها في خطر.
وذلك: أن من مجموع 125 ألف ساعة بث تلفزيوني فرنسي , لا تزيد فيها حصة الإنتاج الفرنسي على 20 ألف ساعة فقط والباقي أمريكي .
هذا التوجس من دولة غربية حليفة , لا شك أنه يتضاعف أكثر ضد الدول الإسلامية والعربية , حتى يتحوّل إلى إجراء قاس , وكما شاهدنا من منع الحجاب الإسلامي في الجامعات الفرنسية.
فما بالنا – يا ابنتي – لا نجد هذا التحسس عند الكثير من المسلمين , الذين غزيت بيوتهم وأسرهم بالإعلام الأجنبي الخليع , وبأشكال عدة من وسائل توريد خطر الإنحراف الأخلاقي؟ .
وما بالنا لا نمنع الخلاعة في بلادنا كما منعوا الحجاب الإسلامي في بلادهم , مع أن الحجاب هو حق من حقوق فتياتنا المسلمات؟ .


مخاطر الحضارة عليك ومن خلالك

إبنتي العزيز: إنّ ما عرفناه وألفناه من مظاهر الحضارة وتطور الحياة في شكلها وتقنيتها , أمر مألوف ومرغوب لدى كل إنسان يطمح للتحضر والتقدم .
بالرغم من أن الحضارة الحقيقية , هي : حضارة الفكر , والعلم , والأخلاق , وغيرها من القيم التي تعتبر عوامل للإرتقاء والتطوّر الحضاري في أنماط الحياة وأشكالها في كافة الميادين.
ولكن هناك ما يعلق بأذيال هذا التطوّر المألوف , والحضارة المألوفة من وسائل الانحراف الأخلاقي , وهو ما نخشاه عليك –يا ابنتي – وعلى عامّة شبابنا وفتياتنا , لأنّ هذه الوسائل تمرّ من خلالك , لحرف مسيرتك عن خط رسالتك الدينية والعلمية , ومن هذه الوسائل:

1- الموضات

إبنتي العزيزة: الموضات هي كل جديد من الألبسة والأحذية , وغيرها مما يستهويك ويشدك لاقتنائه , ويجعلك تتطلعين في كل عام إلى موضة جديدة أزهى منظرا وأعقد فنا , لتصبح موضة العام الماضي شيئا قديما قد الغي دورها من حياتك .
وتحاول الحضارة أن تجعل كل شيء في حياتك موضة , ابتداء من تسريحة الشعر وطلاء الوجه , وانتهاء بهيكلة البيت والحياة الزوجية.
فإذا كان كذلك فهنا يكمن الخطر, وليس الخطر في أصل الاقتناء واللبس , بل الخطر فيما تخلقه الموضة في نفسك من الملل من كل قديم فتجعله نافد المفعول كما ينقضي أكسباير الدواء .
مضافا إلى ما ترين – يا ابنتي– بعض الفتيات , كيف خلقت فيهن الموضات حالة من الأنانية , فأصبحت إحداهن تشمئز من الثوب الذي لديها إذا ارتدت زميلتها مثل هذا الثوب أو تلك البدلة .
وكأن الموضة خلقت لها وصمّمت عليها فقط.. بل قد يبلغ بها الملل – إذا ما أمضت عليه شهرا واحدا – أن تثور في وجه الحياة لعدم انسجام المزاج مع المظهر.

2- المجلات الخليعـة

إبنتي العزيزة : المجلات والكتب الثقافية والأدبية هي المصداق الآخر من وسائل حرف شبابنا وفتياتنا عن الخط الصحيح للأصالة الفكرية والثقافية والأخلاقية .
وليست المشكلة – يا ابنتي – في المجلة والكتاب الأدبي كمحطة من المحطات التي يمر بها شبابنا وفتياتنا في طرق التطلع العلمي والثقافي , إذ قد تعتبر المجلة وغيرها من الكتب الأدبية شيئا ثانويا عابرا عند البعض .
ولكن هناك ملاحظة رئيسية – يا إبنتي– هي: أن الذين روّجوا هذه المجلات والكتب الأدبية والثقافية واهتموا بنشرها , لا يستدرون من وراءها أرباحا تجارية مميزة , مع ما عليه هذه المجلات من تقنية وروعة في الإنتاج , ونوع الورق وكيفيات أخرى لا تتناسب مع الثمن الرمزي لهذه البضاعة , أفلا يدلّ هذا على أن أرباح هؤلاء المروّجين تأتيهم من غير هذا الطريق؟ .
إن الذي عليهم هو: أن ينفذوا عملا معينا يهدف إلى زرع مادة الفساد في وسط العائلة الإسلامية , وليس عليهم أن يجلبوا أرباحا مادية .
خصوصا مع ملاحظة ما يرافق هذه البضاعة من مواضع الإثارة , من صور مبتذلة لأبطال وبطلات السينما التجارية.
فلا فرق – يا ابنتي – بين هذه المجلة أو ذاك الكتاب الثقافي وبين كتب الضلال التي حرم اقتناءها بفتوى فقهائنا التي ركزت على خطر هذه الظاهرة قبل ألف سنة , ومن خلال نصوص أهل البيت الهداة (عليهم السلام) حرصا على الهوية الإسلامية الأصيلة للفرد والأسرة المسلمة.

3- الأفـــلام الفاضحة

إبنتي العزيزة : ناهيك عن أفلام الفيديو وأقراص السيدي , وعن كل ما استحدث من الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية المدبلجة , التي تظهر عليها الفتيات الصبيات يتغنجن ويتحركن بغرور , ويتبارين بجمالهن ويتسابقن بتسريحات شعورهن , وهن يستجلبن أنظار فتياتنا ليحاكين هذه المشاهد .
ولكن لتعلمي – يا إبنتي– أنّ هناك الجمال وهناك التجمل , فالجمال منحة من الله عزوجل , ومنح الله تعالى موجبة للحمد والثناء عليه , وشكر كل نعمة بحسبها , وشكر الجمال صونه عن الإبتذال.
وهناك التجمل , وهو التظاهر بالجمال والزينة لله تعالى لا للإغراء والتبذل , وقد جاء في الحديث الشريف: (إنّ الله يحبّ الجمال والتجمل , ويبغض البؤس والتباؤس).
فلا يمنع الفتاة – يا إبنتي– أن تتجمل في حدود المعقول أمام زميلاتها , ولكن ما تحتاجه أساسا في حياتها أن يذوب جمال المظهر في جمال العفة وروعة الخلق , وأن تصون أنوثتها من التبذل.

إبنتي العزيزة: لعلك ترين من خلال الزمالة لبعض الفتيات ما يؤسف , من ذوبان جمال العفة في جمال المظهر , ومن تقليد مظاهر الحضارة على حساب القيم والالتزامات الدينية.
فتأتيك إحداهن وهي تقص على سمعك مشاهدات وحكايات ومصطلحات تحفظها من مسلسل أجنبي أو عربي .
ولكنها – للأسف – لا تحفظ آية من القرآن الكريم , ولا حديثا من رصيد الإسلام الثقافي الذي خلفه رائد الرسالة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) .
بل كل ما تعتقده بعض فتياتنا: أن الثقافة تؤخذ من الأفلام والمسلسلات , فأصبحت هذه الأفلام تتدخل في كل شأن من شؤون الفتات , حتى في طريقة الحجاب , ومتى ترتديه ومتى تلقيه , وأي موضة من موضات الحجاب تختار.

ما هو مصدر ثقافتك يا ابنتي؟

إبنتي العزيزة : فاعلمي أنّ المصدر الذي ينبغي أن تستلهمي منه الثقافة والموقف في أيّة قضية من قضاياك , هو: رسالتك الإسلامية التي تضع بين يديك هالة من الأضواء الساطعة , لترسم لك الطريق نحو المستقبل الصالح , وتتمثل هذه الأضواء في عدة مصاديق:

1- في كتاب الله العزيز:

إبنتي العزيزة: إنك تؤمنين بأنّ القرآن الكريم , هو الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء , والذي يهدي للتي هي أقوم من طرق الحياة (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) الإسراء: 9 .
فهو الذي يخاطب فيك فطرتك الخيرة , (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) الروم: 30 , إنه الدين الذي يدعوك إلى شاطئ السلام والأمان من كيد أصحاب الزيغ والأهواء واللؤم , فيقول عزوجل: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ) الأحزاب: 32-33 .
ويدعوك – يا ابنتي – إلى إصلاح ذاتك بتعاليمه لتكوني مهدا للرحمة والحنان , ومعهدا للتربية في ميدان الأسرة والمجتمع (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ) النساء: 34 .

2- في السنة المطهرة :

إبنتي العزيزة: إنّ سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) , بما فيها من نظام عملي , ومنهج تربوي , تلتقي فيها إشعاعات القرآن الكريم , وتتفاعل مضامينها مع المضامين والقيم العالية في أقوال ونصوص أهل البيت (عليهم السلام) .
وتلتقي مع السلوك الإسلامي الحكيم لنساء أهل البيت (عليهم السلام) , الذي يعلم فتيات الأمة كيف يقتدين بالقدوات الصالحات , وفي صدارتهن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سألها يوما فقال: (أي شيء خير للمرأة ؟) قالت (عليها السلام): (أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل).
وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الذي قالته فاطمة (عليها السلام) : (خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال) , فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ( إنها مني ).

إبنتي العزيزة: إنّ الزهراء (عليها السلام) تقدم شعلة من النور في طريق الفتاة التي تبحث عن الزينة والجمال الحقيقي , وهو الذي يتمثل في عفتها وحجابها , وهو السر في قوة شخصيتها في الإسلام.
لا كما يقول أدعياء الحضارة وما يطرحونه من مفاهيم بائسة: من كون الحجاب عاملا يشل المرأة عن دورها ويمنعها حقها في الحرية والحركة , يريدون بذلك أن تنسلخ فتياتنا عن الضوابط الأخلاقية والقيم الإسلامية باسم الحرية والإنفتاح .
ولذا فقد بلغ الضعف واللاثبات واللامبدأ لدى البعض من شبابنا وفتياتنا – مع شديد الأسف – أن ينساقوا وراء التيارات العلمانية الداعية إلى الإنسلاخ عن كل القيم والقيود , وكأنه لا توجد لله عزوجل حاكمية ممثلة في الأرض , فقد ظهرت على إحدى الفضائيات – قناة الحرة العراقية بالضبط – إمرأة مسلمة سافرة , تتكلم بما يملي عليها التيار العلماني وهي تقول:
(أنا إمرأة مسلمة أؤمن بالله وحججت خمس مرات لبيت الله الحرام , غاية الأمر إني أرفض أن يحكمني قانون أو جهة أو أي أحد , لأن قانون الإنسان من ضميره وذاته , وأرفض أن يفرض علي سلوك أو مظهر معين كمظهر الحجاب , لأن في ذلك ضغطا على إرادتي وحريتي التي أرادها الله لي) .
هذا هو التصور السائد في مجتمعنا المعاصر – يا إبنتي – وهذا ما تمليه على شبابنا وفتياتنا الحضارات والتيارات العلمانية التي غزتنا بشعاراتها الزائفة , التي تريد الخروج على كافة القوانين والضوابط , وتريد من الإنسان المسلم أن يتجرد عن الطاعة لغيره , ويتمرد على قادته ومرشديه ويحكم نفسه بنفسه وهواه .

إبنتي العزيزة: فاسألي أولئك: هل أن الحجاب يمنع الفتاة من حرية التعبير؟ , أم هل يمنعها من حق التملك؟ , أم هل منعها من طلب العلم والثقافة , أو منعها من الحصول على الشهادة العليا؟ , وهل أنّ المرأة المتبرجة في الوقت الحاضر , أكثر ذكاء وأوفر علما وثقافة وأقوى إرادة وأوسع حظا في كل ذلك من ذات الحجاب؟ .
كل هذه الأسئلة , تجدين أجوبتها فيما يفرضه الواقع , من قفزات علمية وثقافية في حياة المرأة المسلمة في الوقت الحاضر , والتي لا تقبل الإنكار حتى من أولئك الذين يزدرون بمظهر الحجاب الإسلامي .

إبنتي العزيزة: وهل كلمة الزهراء (عليها السلام) فيها نوع من الكبت والقيد لحرية المرأة عن الخروج إلى الساحة الإجتماعية لطرح كلمتها؟ .
كلا – يا ابنتي– فإنّ الزهراء (عليها السلام) ركزت على ما يزين المرأة لا على ما يجب أو يحرم عليها , إذ أنّ حتمية المواقف التاريخية , كما اقتضت أنْ تخرج الزهراء (عليها السلام) إلى الساحة الإجتماعية , لتقول كلمتها الجريئة والفاصلة , فقد تقتضي على غيرها من النساء المؤمنات , أن تخرج إلى الساحة الإجتماعية والسياسية والعسكرية .

3- في التـأريـــخ :

إبنتي العزيزة: بما في هذا التأريخ من قدوات ومواقف وبطولات , لفتيات مؤمنات , هن خير أمثلة من أمثلة العفة والالتزام – يا ابنتي– فلقد كن يخترقن عباب الحياة ومصاعبها بصبر كبير وإرادة صلبة , وهن يلقين كلمة الحق على أسماع الأمـّة .
فتلك سيدتك الزهراء (عليها السلام) كما عرفت , وابنتها زينب العقيلة (عليها السلام) , ولك في حفيدتها فاطمة الصغرى بنت الحسين (عليه السلام) مثل من أمثلة الفتوة الناشئة في أحضان الرسالة , التي لم تكن تتوانى في تسجيل ما يتطلبه الموقف الرّسالي منها.
لتكون قدوة الفتيات وكان لها من العمر أحد عشر عاما , فقد انتفضت كلماتها الثورية البليغة في وجه الأمير الأموي الظالم عبيد الله بن زياد في مجلسه , فانصبت كالصواعق على رأسه ورؤوس الذين ناصروه في ظلمه دونما تردد أو خشية منه قائلة:
(تبا لكم يا أهل الكوفة , يا أهل الغدر والمكر والخيلاء , فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا , فجعل بلاءنا حسنا , وجعل علمه عندنا , وفهمه لدينا , فنحن عيبة علمه , ووعاء فهمه وحكمته , وحجته في الأرض لبلاده ولعباده – إلى قولها مخاطبة والي الكوفة: بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب , افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم وأذهب عنهم الرجس؟ فقم واقع كما أقعى أبوك من قبل , وإنما لكل امريء ما قدمت يداه ...).
فمن بين كلماتها وصبرها وشجاعتها , تلوح معالم التربية الإسلامية , والقوة الروحية , وتتفجر ينابيع العلم والمعرفة والتبصرة في العقيدة والأخلاق .
فالتأريخ بما فيه من تلك القدوات البطلة , ينبغي أن يكون مصدر إلهام للصبر والشجاعة لفتياتنا على طريق الحق والفضيلة.

4- في المؤسسة التربوية :

إبنتي العزيزة: إن المؤسسة التربوية , هي الخطوة الأولى على طريق التعلم , والتي لا يستغني عنها فتى أو فتاة في أول العمر , وفي أول مرحلة من تفتح مدارك العقل.
ولهذا الانتماء دوره في تحول النفس إلى حالة الانفتاح على الواقع الاجتماعي – يا إبنتي – وكسر طوق عزلة الطفولة .
وتكاد أن تكون هذه المرحلة مرحلة تدريب لقواك ومواهبك العقلية –يا ابنتي – كما يتدرب الجهاز الهضمي على تلقي الطعام في مرحلة الرضاعة إلى ما بعدها .
فإذا ما خطوت خطوات إلى الأمام , نحو الثانوية أو الإعدادية , حتى المعهد أو الجامعة , رأيت عالما جديدا متنوع المدارك والمستويات والأفكار والاتجاهات والأذواق والأمزجة والأهواء , ورأيت نفسك تحت عاملين يعملان على حياتك ومستقبلك الاجتماعي:
1 – عامل الدرس والمادة العلمية .
2 – عامل الزمالة , بما تحمل هذه الزمالة من مؤثرات الذوق لدى الزميلة , والإتجاه النفسي والفكري والسياسي .
ولهذا فأنت في المؤسسة التربوية المتقدمة , وحين تضعين خطاك على طريق العلم , عليك أن تؤكدي – يا ابنتي – صدق انتمائك إلى رسالتك العلمية البناءة , ولا تكون الرسالة العلمية بناءة ما لم تمتزج مع قيم رسالتك الإسلامية , التي أنقذت وجودك من بين مخالب الظلام والتخلف .
ولا أعني بامتزاج الرسالة العلمية بالرسالة الإسلامية تقويض العلم بالدين , بل أعني بذلك امتزاج الرسالة العلمية بالرسالة التربوية .
أي: كما يرتقي الفكر لا بد أن تسمو النفس , وإن ارتقاء الفكر بالعلم , وسمو النفس بالقيم الروحية للرسالة , التي رسمت لك منهجا تربويا ثابتا لسمو النفس يتمثل في الفرائض والواجبات اليومية .

إبنتي العزيزة: فحين تمسكين الكتاب الذي تطالعين فيه الدرس العلمي , عليك أن تضعي في حسابك الصلاة بنتائجها كدرس أول من دروس التربية , تستلهمين منه قوة الفكر والروح والسلوك, ولا بد أن يكون هذا الدرس في صدارة الدروس العلمية .
وبهذه الفكرة سيكون الدرس صلاة تؤجرين عليها لوجود الرابطة بينه وبين الصلاة التي تربي السلوك وتقوم الحياة , وتستجلب العناية الربانية , لتتجهي بمستقبلك إلى ما هو أصلح وأنجح من مطالب الحياة .

5- في منظومة الأسرة المسلمة:

إبنتي العزيزة: ينبغي أن تعرفي من خلال منظومة الأسرة التي تنتمين إليها حقيقتين:

الحقيقة الأولى: إن الأسرة المسلمة هي معهد تربيتك الأول فلا تتجرّدي عنها , ولا تتنكّري لها ولأخلاقها وعاداتها , أو تستهيني بوصاياها وإرشاداتها على أساس الاكتفاء بما يقع بين يديك من وسائل التكامل والإعداد والترقي العلمي والثقافي .
واعلمي – يا إبنتي – أن ليس كلّ ما في الحضارة العلميّة مقبولا وبنـّاء , إذ من نتائج ذلك التطور– كما عرفت – هو وجود فجوة ما بين الأسرة وبين أبنائها , وما بين المعلم والمتعلم .
فلم يعد المتعلم ينشد إلى المعلم الحي , الذي يتناغى مع فكره وعواطفه مباشرة , ويدخل في مشاكله , ويتحسس قضايا حياته الاجتماعية والنفسية والسلوكية , ليضع لها الحلول والعلاجات الفورية اللازمة 0
فالمسالة –يا إبنتي – ليست مسالة تكامل علمي للحصول على شهادة البكلوريوس أو غيرها من الشهادات العليا فحسب , بل لا بد من الحصول على شهادة حسن السلوك ونزاهة الحس الاجتماعي , التي يمنحها معهد التربية الأول (الأسرة المسلمة) .

الحقيقة الثانية: اعلمي – يا إبنتي – أنك في منظومة الأسرة لا تقصرين أهمية عن أخيك , ولا دورا عن دوره في بناء المستقبل الاجتماعي لهذه المنظومة .
بل إن لك دورين يتبع أحدهما الآخر دور مع الأسرة التي ترعرعت في أحضانها , وتبنتك وربتك وأنشأتك ووضعتك على أعتاب عهد جديد وهي التي ستودعك إلى دور الأسرة الجديدة , التي سوف تتلقاك عضوة مضافة إلى أعضائها , وتتخذك روضة من رياض الحنان فيها .
فليس بالأمر الهيّن – يا ابنتي – أن تنفصلي عن أبويك وأسرتك الأم , التي إغتذيت وتربيت فيها , لولا أنّ سنة الحياة , ومسيرة النظام , والنمو الاجتماعي يقضي بأن تؤدي دورك الجديد .

إبنتي العزيزة: ومن هنا كان لتربيتك وإعدادك ثواب عظيم للأسرة التي أنجبتك , حيث جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (البنات حسنات والبنون نعمة , فالحسنات يثاب عليها والنعمة يسال عنها) .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : (خير أولادكم البنات) وذلك لأن الأسرة لم تنجبك لذاتها ولمصلحتها فقط , وإنما أنجبتك للمجتمع , إذ لا يتم بناؤه إلا من خلال انتمائك إلى الأسرة الجديدة .
فأنت –يا ابنتي – حسنة مهداة من الله عزوجل إلى أبويك والأمّة , فكوني حسنة في كل صفاتك وخصالك وطباعك في منظومة الأسرة الجديدة .

على أعتاب الزوجية

إبنتي العزيزة: كانت النظم الجاهلية الغابرة تعتبر المرأة أساسا للشر, ومحطة من محطات الشيطان وغروره وشروره ومكائده , وأنها حيوان بصورة إنسان , بل أنها الشيطان الذي يحمل للإنسان التعاسة والمعاناة , وأنها شر لابد منه , وأنّ حواء هي التي أغوت آدم ووقع تحت ضغطها فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها .
واستمرت هذه الفكرة إلى مراحل متأخرة من الزمن , حتى قرأت في بعض المجلات التي تصدر في عقد السبعينات موضوعا لأحد الإجتماعيين الغربيين يقول فيه: ما من مشكلة إلا ووراءها إمرأة , سواء كانت هذه المشكلة إجتماعية أو إقتصادية أو عسكرية , حتى الحدث المروري الذي يقع فيه سائق السيارة أو الدراجة .
في الوقت الذي نرى القرآن الكريم يفند هذا التصور , بتوحيد موقع المسؤولية لآدم وحواء , ليتحمل كل منهما أثر المخالفة حيث أغواهما الشيطان , فقال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) الأعراف: 21-22 .
بل نسب القرآن الكريم في موضع آخر مسؤولية المخالفة لآدم فقال تعالى: (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) طه: 121

إبنتي العزيزة: عليك أنْ تقارني بالمنطق , بين هذه النظرية القائلة: ما من مشكلة إلا ووراءها امرأة , وبين حكمة الإسلام ومنطقه القائل: وراء كل عظيم إمرأة عظيمة .
وإنّ من دواهي الأمور – يا إبنتي – أن افتعلت الإسرائيليات حديثا عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول: (إنّ المرأة شر وشر منها أنْ لابد منها) , فمضى البعض من خلال قناعته بصدور الحديث , يبرر: بأن الإمام (عليه السلام) قال هذا في لحظة الإنفعال من موقف أم المؤمنين معه في حادثة الجمل .
1- كيف تعقلين هذا وأمثاله من الوصف وفي النساء فاطمة الزهراء وأمها خديجة الكبرى (عليهما السلام)؟ , أما فاطمة: فهي فوق مرتبة كل الرجال عدا أبيها وبعلها (صلوات الله عليهما) , وأما خديجة: فقد بلغت من الإيمان والبطولة درجة لم يبلغها أحد من الرجال عدا المعصومين (عليهم السلام) .
2- أين هذا القول المنسوب للإمام علي (عليه السلام) من نظرية القرآن الكريم التي تعتبر وجود المرأة إلى جانب الرجل ضرورة من ضروريات الحياة الإجتماعية والروحية والنفسية ؟ فقال تعالى: ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم: 21 .
3- أين الإمام علي (عليه السلام) والإنفعال الذي هو محض اضطراب في توازن الشخصية؟ والإمام (عليه السلام) أرفع من ذلك , وهو الذي بادر إلى هودج المرأة ووضع عليه حراسا , وكان من كلامه لها: (والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم وأبرزوك)

إبنتي العزيزة: إمتدادا لذلك التأريخ وتلك النظم الغابرة , فقد تحرّك دعاة الحضارة الماديّة البهيميّة الجديدة , الذين أرخصوا قدر المرأة ليجعلوا منها وسيلة للدعاية في سبيل مآربهم , وطريقا من طرق ترويج البضائع للإسترباح , فأصبحت عندهم العلاقة بين الفتى والفتاة مبنية على أساس الإجتماع الجنسي وإشباع نهمة الغريزة لا أكثر.
ولذا وقف أولئك على طرفي نقيض بالنسبة للعلاقة الزوجية المشروعة , بين من كرّهوا العلاقة الزوجية بين الرّجل والمرأة , وحثوا على صنع جدار سميك بينهما من منطلق واحد , هو : كون المرأة عنصرا قذرا ينبغي الإبتعاد عنه , وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يبلغ عمق العلاقة الروحية مع الله تعالى إلا عن طريق العزوبة , لأن المرأة مادة مغرية , فالميل نحوها من المفاسد الأخلاقية .
فقد نقل عن أحد زعماء الأديان في العصر الحديث قوله: ( أقلعوا شجرة الزواج بمطرقة البكارة) نظام حقوق المرأة في الإسلام للشهيد مطهري: ص: 138
أين هذا من قول رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (حبب إلي من دنياكم ثلاث , الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة) , فجعل حب المرأة في نفسه بدرجة حب الصلاة , وذلك في إطار الحب الطاهر والميل المشروع النزيه , والعلاقة التي لم يعلق بها ذر الأهواء وأنفاس الفساد .

إبنتي العزيزة: وفي مقابل ذلك المنع , أخذ الطرف الآخر يروج لإثارة الغريزة وتحريكها بشتى الوسائل والطرق المتيسرة والفاضحة , أما رسالتك الإسلامية المنقذة , فقد جاءت لتعرف أولئك المهووسين ومن تبعهم , أن العلاقة بين الفتى والفتاة مبنية على أساس الغاية التي تهدف إليها الغريزة , وهي بناء الحياة الاجتماعية , واستمرار عجلتها ها لبقاء النوع الإنساني .
فلا شك أن هناك طريقا مهذبا تتحقق من خلاله هذه الغاية , وهو (الزواج الشرعي) , كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
(من كان يحب أن يتبع سنتي فليتزوج , فإنّ من سنتي التزويج , واطلبوا الولد فإني مكاثر بكم الأمم غدا) .
ومن هنا أكدت لهم هذه الرسالة امتزاج المرأة والرجل في نفس واحدة فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء:1 .
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الأعراف:189 .
فالإسلام – يا إبنتي – عندما فتح هذا المشروع للمرأة والرجل , إنما أراد أن ينفذ مطلبا اقتضته فطرة الخلق , فيربط بين الرجل والمرأة برباط مقدس , ويجعلهما أساسا لاستقامة البناء الاجتماعي ومنبعا لأخلاقه وقيمه.
وقد اصطلح القرآن الكريم على الحياة الزوجية بأنها إحصان وتحصّن فقال عزوجل: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) النساء: 24 .
وقال تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) النساء: 25 .
والإحصان هو: الإحتماء والتدرع , كما تحتمي المدن والمجتمعات بالحواجز والقلاع والحصون من أخطار الحروب , وليس هناك شيء أخطر على الحياة الإجتماعية من حرب الفساد , وشيوع مادة الإنحراف الجنسي , الذي يهدّد قيم وأخلاق المجتمع الإنساني.

إبنتي العزيزة: إنّ مثل الغريزة في الإنسان , كمثل الماء الذي يحيي الأرض ويسقي الزرع ليثمر , فإذا لم يحدّد له مساره , وفاض عن مشاربه أصبح عامل تدمير وتخريب .
وكمثل التيار الكهربائي بجزئيه السالب والموجب , الذين لا بد وأن يسيرا ضمن الخط المرسوم , ولا يلتقيا إلا عند النقطة المشروعة المحددة لالتقائها .
فالحياة الزوجية هي الخط المشروع الذي يصب فيه تيار الغريزة.. هذا الخط الذي هو موضع اهتمام أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما قال الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (أربعة ينظر الله إليهم يوم القيامـة: مـن أقال نادما , أو أغاث ملهـوفا , أو أعتق نسمة , أو زوّج أعزبا) .
ثم انظري – يا إبنتي – إلى لفتة جميلة في كتاب الله العزيز , وهي: أنه جعل كلا من الرجل والمرأة لباسا ساترا للآخر , فقال تعالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) البقرة : 187 , فالأعزب عريان , والعريان من لا لباس له يستره , فاعتبر الزواج ساترا.

العقبات ومشروع الزوجية

إبنتي العزيزة: ما أكثر العقبات في طريق هذا المشروع الإجتماعي , ولعل عرضها التفصيلي يستوجب منا وقفة طويلة .
ولكن الأهم – يا إبنتي – من العقبات هو ما يرسمه وليّ أمر الفتاة من مصاعب تعجز الخاطب عن تحقيق مطامحه في بناء الحياة الزوجية , رغم تمكنه ذاتا أو إعانة , من توفير المطالب الإعتيادية للزواج .
فناهيك – يا إبنتي – عما يضج به مجتمعنا من مطالب تعجيزية أمام الخاطبين , وهذه المطالب منها ما تكون إجتماعية , لا تبدأ بالسؤال عن أخلاقه ودينه .
بل تبدأ بقائمة من الأسئلة : عن إسمه؟ , ثم عن أي منصب يشغل من مناصب وكراسي الإدارات الرسمية؟ وهل يحمل شهادة جامعية؟ ومن أيّة جامعة؟ وكم يبلغ من العم؟ , وأين موقع سكناه هل في الريف أم في المدينة؟ , أو على أي طراز بناء بيته؟ وهل يملك سيارة أو هاتفا أو جهاز انترنيت؟ وهل لديه والدان أو أخوات أم لا؟ .
كل هذه الأسئلة أو بعضها قد تطرح من قبل بعض الفتيات أو أولياء أمورهن , فإذا ثبت –لا سمح الله – أمر يخالف ذوق الفتاة ساء حظ الخاطب , ولا أدري كيف تناسوا الحديث الشري: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته يخطب إليكم فزوّجوه , إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) .
وفي جانب من المطالب ما تكون مادية –يا إبنتي- وذلك حين يجد الخاطب نفسه أمام شبح مخيف من المهر الذي عليه أن يقدمه للفتاة , سواء على مستوى المهر المتقدم أو على مستوى المهر المتأخر الذي يتعهد بأدائه عند الطلب .
ولا شك – يا إبنتي – بأنك المعنية في طلب المهر , فعليك دراسة المردود الذي يترتب على هذا الطلب الباهض الذي لا يطاق , وهو: ما يسبب الإرهاق المادي والنفسي .
لأن المهر المتقدم الباهض يتسبب في استنزاف طاقات خطيبك , ويستفرغ جهوده في توفير ما هو مطلوب منه صرفه على المظاهر الأولى للعش الزوجي , ويبقى مطالبا بمتابعة السير الحثيث والمضني إلى آخر أشواط الحياة الزوجية.
مثله كمثل الذي يبدأ شوط السباق بجهد فائق ويستفرغ قوته في بداية خطواته , مع أن وراءه مسافة أطول في هذا المضمار تتطلب منه جهدا أكبر, بينما لو بدأ شوطه بعملية إحماء تدريجية يستطيع بعدها إكمال الشوط بخزين من القوة لكان أجدى للنجاح والفوز .

إبنتي العزيزة: أترين لو عجز الزوج في ربع الطريق , أو في منتصفه , عن توفير الجديد للحياة الزوجية فهل يعود لها طعم؟ كلا , مع أن السبب الأكبر تأثيرا هو زوجته التي إستفرغت وإستنزفت ما عنده من إمكانات في بداية الطريق .
وأما المهر المتأخر الباهض فسيرهقه صعودا , لأنه يشكل عاملا من عوامل التهديد لعلاقته الزوجية , إذ يتخوف في أغلب الأحيان أن يفرض على زوجته أمرا يتعارض مع ذوقها , حتى لو تعارض مع مباديء الشريعة , لأنه يرى نفسه محكوما لمطالبها المادية قبل كل شيء .
فكثيرا – يا إبنتي – ما ينزع أولياء الأمور أو الفتيات أنفسهن , لفرض هذا المطلب من أجل فرض السيطرة لا أكثر.. ولا ندري أين ذهب أولئك عن الحديث الشريف القائل: (أفضل نساء أمتي أصبحهن وجها وأقلهن مهرا).
وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قوله: (إنما المرأة قلادة , فانظر ما تتقلد وليس لإمرأة خطر (أي: ثمن) لا لصالحتهن ولا لطالحتهن , أما صالحتهن فليس خطرها الذهب والفضة , بل هي خير من الذهب والفضة , وأما طالحتهن فليس خطرها التراب , لأن التراب خير منها).
فأيّ كنز يضاهيك – يا إبنتي – وأنت في قمّة علياء الصلاح , الذي رسمت لك الطريق إليه رسالة القرآن , فقال تعالى:
( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب: 35 .
فكوني – يا ابنتي – خيرا من الذهب والفضة ومن كلّ كنوز الدنيا , بالإيمان والعمل الصالح , واستمسكي بقيم رسالتك , ولا يكن التراب خيرا منك , ودمت للرّسالة والأسرة والعمل الصالح والبناء .

رساله الاسره


بالتوفيق لكل خير
وفقكـ الباري بحق محمد وآل محمد.

vshgi hgn ;g tv] td hghsvi

__________________
شيعية بحرانية
رد مع اقتباس

  #2  
قديم 30-07-2009, 10:26 PM
الصورة الرمزية نجمات الليل
نجمات الليل نجمات الليل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: في السماء بالقرب من القمر
المشاركات: 24,190
معدل تقييم المستوى: 3674
نجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond reputeنجمات الليل has a reputation beyond repute
افتراضي رد: رساله الى كل فرد في الاسره

__________________
أناجيك ياموجوداً في كل مكان .. لعلك تسمع ندائي
فقد عظم جرمي وقل حيائي ..مولاي يامولاي
أيها أتذكر وأيها أنسى ولو لم يكن الا الموت لكفى
كيف ومابعد الموت اعظم وادهى


رد مع اقتباس

  #3  
قديم 31-07-2009, 12:16 AM
الصورة الرمزية عاشقة ارض كربلاء
عاشقة ارض كربلاء عاشقة ارض كربلاء غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
الدولة: في قلب كربلاء إذا شاء الله
المشاركات: 3,914
معدل تقييم المستوى: 691
عاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond reputeعاشقة ارض كربلاء has a reputation beyond repute
افتراضي رد: رساله الى كل فرد في الاسره

يسلمو ويعطيج العافيه
وجزاكِ الله خيرالجزاء
موضوعكِ رائع كروعتكِ غاليتي
ودمتِ بود تحياتي
__________________
رد مع اقتباس

  #4  
قديم 20-03-2010, 03:48 PM
الصورة الرمزية سحرالعيون
سحرالعيون سحرالعيون غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: العراق / بغداد
المشاركات: 5,976
معدل تقييم المستوى: 1017
سحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond reputeسحرالعيون has a reputation beyond repute
افتراضي رد: رساله الى كل فرد في الاسره




أتمنى لكي من صميم قلبي النجاح والارتقاء الى ابعد المستويات الاخلاقيه على هذا الطرح الجميل
والشيق لهذة المعلومات القيمه وان ينفع بكي المولى جل وعلا لما فيه الخيروالصلاح تقبلي شكري
ومروري ودمتم للخير واهله فاعلين مع التقدير اخوكم
سحر العيون
__________________

الحياة عبارة عن محطات نقف فيها أوقات فقط ثم نرحل إلى محطات أخرى
في كل محطة نلتقي بقلوب ووجوه وذكريات وأحاسيس منها مايبقى ومنها مانتركه خلفنا
فيجب أن تترك خلفك كل قلب ووجه لم يقدر مشاعرك مهما كان أثره وحبه في حياتك لأنك في المحطات القادمة سوف تجد بإذن الله من يقدر مشاعرك فلا تيأس
فقط ابحث واستمر... فالعمر لا يقف عند أحد والحب لا يملكه إلا من يستحقه....
رد مع اقتباس

  #5  
قديم 08-04-2010, 01:50 PM
الصورة الرمزية عاشقة إيران
عاشقة إيران عاشقة إيران غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: في قلب والدي
المشاركات: 6,256
معدل تقييم المستوى: 787
عاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond reputeعاشقة إيران has a reputation beyond repute
افتراضي رد: رساله الى كل فرد في الاسره

__________________
  • صلوات على محمد
  • من كل قلبي اشكرك فعطائك لاحدود له
  • انتي كريمة وأنا استاهل*_^
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رساله مهمه ناعي البقيع شـمـ المنتدى الـعـام ـــس 3 01-07-2009 05:45 PM
رساله بمناسبه المولد عاشق ام البنين شـمـ المضيف ــس 2 27-06-2008 04:48 AM
البسمه رساله >>> حب عاشق ام البنين شـمـ المنتدى الـعـام ـــس 5 03-05-2008 07:35 PM
شباب طريقه اخرى لإرسال رساله بدون اظهار الرقم!! النسر شمــ الجوال ـــس 9 08-01-2007 04:59 PM
فتاه عمرها 18 سنه تهرب من البيت وتكتب رساله المدريدي شـمـ القصص والروايات ــس 10 13-04-2006 04:19 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوق محفوظة لموقع شمس كربلاء (تطوير حسين الكربلائي)

تصميم : منتديات راية علي الثقافية